بين السطور

لم يعد هناك رأي عام واحد... بل آراء عامة متعددة


لطالما اعتُبر الرأي العام قوة جماعية يمكن التعرف إلى ملامحها بسهولة نسبية. فقد كانت الصحف، والأحزاب، والنقابات، والمقاهي، والساحات العامة، ووسائل الإعلام الكبرى تشكل فضاءات مشتركة يتداول فيها المواطنون القضايا نفسها. ورغم اختلاف آرائهم، كانوا ينطلقون في نقاشاتهم، في الغالب، من واقع مشترك



بقلم : عدنان بنشقرون

غير أن هذا العالم يتغير بسرعة. فلم يعد هناك اليوم رأي عام واحد، بل تعددت الآراء العامة، وأصبح كل منها يتشكل داخل فضاء معلوماتي مختلف.


يتحرك كل تيار اجتماعي أو سياسي أو ثقافي داخل بيئة إعلامية خاصة به، يتلقى من خلالها محتوى مختلفًا، ويتابع مؤثرين مختلفين، ويقرأ الأحداث وفق مرجعيات ورموز تختلف عن غيره.


لقد حلت شبكات التواصل الاجتماعي محل الساحات العامة، لكنها لم تستبدلها بفضاء واحد، بل بآلاف "المرايا" الرقمية.


وهذه المرايا لا تعكس المجتمع كما هو، وإنما تعيد إلينا صورة شخصية صُنعت انطلاقًا من نقراتنا واهتماماتنا وتفاعلاتنا. فكلما أبدينا اهتمامًا بنوع معين من المحتوى، زادت المنصات من عرضه علينا، إلى أن يصبح شريط الأخبار متوافقًا بالكامل مع قناعاتنا.


وهنا يظهر ما يعرف بـالانحياز التأكيدي، إذ يميل الإنسان بطبيعته إلى تفضيل المعلومات التي تؤكد ما يؤمن به مسبقًا. فصاحب التوجه المحافظ سيشاهد محتوى يركز على قضايا النظام والهوية والاستقرار، بينما يتعرض صاحب التوجه التقدمي بصورة أكبر لموضوعات المساواة والحريات والعدالة الاجتماعية. وبعد ذلك، سيقتنع كل منهما بأن "البلد كله يتحدث عن هذه القضايا".


ويتعزز هذا الوهم بما يسمى انحياز الإجماع الزائف، حيث يبالغ الفرد في تقدير عدد الأشخاص الذين يشاركونه الرأي، لأن محيطه الرقمي يتكون غالبًا من أشخاص يشبهونه في الأفكار والاهتمامات، ناسياً أن قائمة متابعيه لا تمثل المجتمع بأكمله.


وهكذا يعيش الناشط السياسي داخل رأي عام خاص بالنشطاء، والصحفي داخل رأي عام إعلامي، والسياسي داخل رأي عام مؤسساتي، بينما يتحرك المستخدم العادي داخل رأي عام تصنعه الخوارزميات. أما الأغلبية الصامتة، فتبقى بعيدة عن هذه المساحات، رغم أنها تمثل جزءًا مهمًا من المجتمع.


ويلعب الانحياز العاطفي دورًا محوريًا في هذه الظاهرة، إذ تنتشر المنشورات التي تثير الغضب أو الخوف أو الاستياء بسرعة أكبر من غيرها، ما يمنح انطباعًا بأن المجتمع يعيش حالة توتر دائم. فتتحول كل قضية مثيرة للجدل إلى أزمة وطنية، وكل تصريح إلى عاصفة، وكل حادثة إلى مؤشر على تحول تاريخي.


لكن الرأي العام الحقيقي غالبًا ما يكون أكثر هدوءًا وتعقيدًا، فالمواطن قد يطالب في الوقت نفسه بمزيد من الحماية الاجتماعية وبخفض الضرائب، وقد يدعو إلى توسيع الحريات مع المطالبة بسلطة أقوى، أو يرغب في التغيير دون الإخلال بالاستقرار. وقد ينتقد حزبًا سياسيًا ثم يصوت له، كما قد يلتزم الصمت على الإنترنت لكنه يشارك في الانتخابات.


غير أن هذه الصورة المركبة لا تجد مكانًا على شبكات التواصل، التي تفضل المواقف الحاسمة، والرسائل المختصرة، والهويات السياسية الواضحة،كما يساهم وهم التكرار في تعميق هذا الانطباع؛ فعندما يتكرر موضوع معين باستمرار على شاشاتنا، نعتقد أنه يهيمن على اهتمامات المجتمع، بينما قد يكون في الحقيقة حاضرًا فقط داخل الدائرة الرقمية التي ننتمي إليها.


ويضاف إلى ذلك انحياز المشاركة، الذي يمنح أفضلية للمجموعات الأكثر تنظيمًا ونشاطًا. فالأقلية التي تنشر باستمرار تستطيع فرض أجندتها ومفرداتها وإيقاعها، فتبدو وكأنها تمثل الرأي الغالب، رغم أنها قد تكون محدودة العدد.


ومن جهة أخرى، تبرز دوامة الصمت، حيث يتردد كثيرون في التعبير عن آرائهم إذا شعروا بأنها تختلف عن الآراء السائدة على المنصات الرقمية، خوفًا من الهجوم أو السخرية أو العزلة، فيؤدي صمتهم إلى تعزيز الوهم بوجود إجماع لا وجود له في الواقع.


وتنعكس هذه الظواهر بشكل مباشر على الحياة السياسية، فعندما لا يعود المواطنون يتشاركون الوقائع نفسها، يصبح النقاش الديمقراطي أكثر صعوبة. إذ يتهم كل طرف الآخر بأنه ضحية للتضليل، ويعتبر مصادره وحدها موثوقة، بينما يشكك في مصادر خصومه. وعندها لا يقتصر الخلاف على الحلول، بل يمتد إلى تفسير الواقع نفسه.


ومع ذلك، لا يمكن للديمقراطية أن تستقيم دون وجود حد أدنى من القواسم المشتركة، فهي لا تشترط أن يتفق الجميع في الرأي، لكنها تتطلب أن يناقش المواطنون انطلاقًا من وقائع قابلة للتحقق، وأن يستمعوا إلى الآراء المخالفة، وأن يقبلوا بأن الخصم السياسي ليس بالضرورة عدوًا.


لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تنظيم عمل الخوارزميات، بل أيضًا في إعادة بناء فضاءات مشتركة تتيح لمختلف الآراء العامة أن تلتقي وتتفاعل، لأن المجتمع الذي ينقسم إلى آلاف المرايا المنعزلة، قد يصل في النهاية إلى مرحلة لا يعود فيها قادرًا على رؤية نفسه كما هو






الاثنين 27 يوليو/جويلية 2026
في نفس الركن