بقلم: عدنان بنشقرون
سئمتُ من تلك الصناعة الرقمية الصغيرة التي اكتشفت، على ما يبدو، معادلة تجارية بالغة الربحية: كلما مرّ المغرب بصعوبة، ازداد حماس بعض المؤثرين واليوتيوبرز وأصحاب المنصات والمعلقين الذين نصّبوا أنفسهم خبراء في السياسة والاقتصاد والمجتمع.
أزمة اجتماعية؟ نحن على أبواب الانفجار.
توتر دبلوماسي؟ المغرب أصبح معزولاً.
مظاهرة؟ النظام على حافة السقوط.
رقم اقتصادي سلبي؟ الدولة مقبلة على الإفلاس.
خطأ حكومي؟ المؤسسات كلها فاشلة.
أما إذا وقع حادث خطير، فلا يعود مجرد واقعة تحتاج إلى التحقيق والفهم، بل يتحول في دقائق إلى «الدليل النهائي» على انهيار المجتمع بأكمله. وإذا لم تسعف الوقائع أصحاب هذا الخطاب، فالحل جاهز: اختراع نظرية.
يربطون ثلاثة أحداث لا علاقة بينها، يستدعون «مصادر مطلعة» لا نعرف لها اسماً ولا صفة، تتحول الإشاعة إلى فرضية، والفرضية إلى شبه يقين، ثم يُستدعى إلى المنصة الأشخاص أنفسهم، لا لأنهم الأكثر قدرة على تفسير الحدث، بل لأنهم الأكثر استعداداً لتأكيد السيناريو الكارثي الذي جرى الإعلان عنه مسبقاً في الصورة المصغرة للفيديو.
أهلاً بكم في اقتصاد البؤس الرقمي.
النقد ليس المشكلة… تشويه البلد هو المشكلة
حتى لا يُساء فهم الكلام: لست ضد النقد.
على العكس تماماً.
من واجب الصحافة أن تكشف الفساد، وأن تناقش البطالة، وأن تفتح ملفات المدرسة والصحة والعدالة الاجتماعية، وأن تحاسب الوزراء، وأن تنتقد الإدارة، وأن تسائل السياسات العمومية.
يمكن للمواطن أن يكون غاضباً من حكومته ومخلصاً في الوقت ذاته لبلده.
بل قد ينتقد المؤسسات لأنه يريدها أقوى وأكثر عدلاً وكفاءة.
هذه وظيفة طبيعية في أي مجتمع حي.
لكن شيئاً آخر تسلل إلى جزء من فضائنا الإعلامي والرقمي: النقد المنهجي بوصفه نموذجاً اقتصادياً.
لم يعد الخطاب يقول: «هناك خلل يجب إصلاحه».
بل أصبح يقول: «لا شيء يعمل».
لم يعد يقول: «هذا القرار خاطئ».
بل: «كل شيء فاسد».
لم يعد يقول: «المغرب يواجه أزمة».
بل: «ألم نقل لكم منذ أشهر إن البلد يسير نحو الهاوية؟».
وفي هذه البيئة تختفي المنطقة الرمادية، لأن المنطقة الرمادية لا تحقق ما يكفي من النقرات.
الاعتدال لا يصنع دائماً جمهوراً كبيراً.
الكارثية أصبحت تجارة
هذه هي الحقيقة التي ينبغي مواجهتها.
اقتصاد الانتباه لا يكافئ بالضرورة الأكثر دقة، بل الأكثر قدرة على إثارة الخوف والغضب.
عنوان مثل:
«الوضع صعب ويحتاج إلى تحليل متوازن»
لن ينافس بسهولة عنواناً من قبيل:
«انتهى كل شيء!»
أو:
«المغرب على حافة الانفجار!»
أو:
«ما لا يريدونكم أن تعرفوه!»
أو:
«السلطة في حالة ذعر!»
الوصفة بسيطة: خطر، سر، متهم، «تسريب»، ثم كارثة وشيكة.
كلما زاد العنوان إثارة، ارتفعت احتمالات النقر. وكلما كانت الصورة أكثر سوداوية، زادت المشاهدات. وكلما اشتدت المعارك في التعليقات، ازداد رضا الخوارزمية.
هكذا تتحول الصدمة إلى منتج، والقلق إلى مادة أولية، والتشاؤم إلى أصل تجاري.
والمشكلة الأخلاقية تبدأ حين تصبح معيشتك مرتبطة بإقناع الناس بأن الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ.
لأنك، عندئذ، قد تجد نفسك بحاجة إلى الأزمة.
وإذا لم تكن الأزمة كارثية بما يكفي، فليس أسهل من تضخيمها حتى تصبح كذلك.
نادي أنبياء الانهيار
هناك أيضاً ظاهرة أخرى تستحق الانتباه: الضيوف الدائمون.
بعض المنصات الرقمية تحولت إلى ما يشبه النوادي المغلقة التي يدور فيها الأشخاص أنفسهم، حاملين الإجابات نفسها مهما اختلف السؤال.
الاقتصاد؟ كارثة.
الدبلوماسية؟ فشل.
المؤسسات؟ انهيار.
الشباب؟ ثورة وشيكة.
الانتخابات؟ تزوير.
الإصلاح؟ تمويه.
الاستثمار؟ دعاية.
خبر إيجابي؟ الأرقام مشكوك فيها.
خبر سلبي؟ الدليل القاطع على صحة النظرية.
إنها منظومة فكرية مريحة للغاية، لأن النظرية التي تستطيع تفسير النجاح والفشل بالمنطق نفسه تصبح نظرية يستحيل دحضها.
لكن هذا ليس تحليلاً.
إنها أيديولوجيا مغلقة.
وعندما أستخدم كلمة «العدمية»، فلا أقصد بها المعارضة ولا الأصوات الناقدة.
العدمية هنا هي الموقف الذي يصبح فيه الاعتراف بأي إنجاز وطني شبه مستحيل من حيث المبدأ، وكأن الاعتراف بأي تقدم يُعد خيانة للنarrative الذي بنيت عليه المنصة جمهورها.
الوطن ليس الحكومة
هذه من أبسط الحقائق التي نحتاج إلى استعادتها.
الوطن ليس الحكومة.
والمغرب ليس وزيراً.
وليس حزباً.
وليس أغلبية برلمانية.
المغرب تاريخ، وأرض، ومجتمع، وذاكرة، وملايين المواطنين، وأجيال رحلت وأخرى تستعد للدخول إلى الحياة.
يمكن أن تعارض حكومة من دون أن تتمنى فشل البلد.
يمكن أن تنتقد قراراً دون أن تجعل كل إخفاق محاكمة للمغرب كله.
يمكن أن تكون معارضاً شرساً من دون أن تتحول إلى مدعٍ عام دائم ضد وطنك.
وفي المقابل، الدفاع عن البلد لا يعني أبداً إنكار مشاكله.
فالخطاب الذي يقول إن كل شيء على ما يرام فقير فكرياً بقدر الخطاب الذي يقول إن كل شيء ينهار.
بين الاثنين توجد مساحة واسعة اسمها: الواقعية والصدق.
والصحافة التقليدية ليست بريئة
لنكن منصفين.
ليس اليوتيوبرز وحدهم من دفعوا بهذا الاتجاه.
نحن، في الإعلام التقليدي، ارتكبنا جزءاً من الخطأ.
تبنينا بعض قواعد المنصات.
قصرنا العناوين.
رفعنا مستوى الإثارة.
لاحقنا النقرات.
وحولنا أحياناً السؤال إلى شبهة، والشبهة إلى عنوان، والعنوان إلى حكم.
نحن نعرف جيداً إغراء الأرقام.
عدد الزيارات.
مدة المشاهدة.
نسبة التفاعل.
لكن الصحافة تبدأ، تحديداً، عندما نقاوم إغراء الواقع الأكثر ربحاً، ونختار الواقع الأكثر عدلاً.
الصحفي لا يفترض أن يصنع النسخة الأكثر رواجاً من الحقيقة، بل أن يحاول الوصول إلى النسخة الأكثر دقة منها.
حتى عندما تكون الحقيقة أقل إثارة.
المغرب ليس جنة… لكنه ليس جحيماً أيضاً
نعم، للمغرب مشاكل عميقة.
بطالة الشباب مقلقة.
الفوارق المجالية لا تزال كبيرة.
القدرة الشرائية تضغط على الأسر.
المدرسة العمومية تواجه تحديات ضخمة.
الوصول إلى العلاج غير متكافئ.
الثقة في بعض المؤسسات تحتاج إلى ترميم.
وهناك جزء من الشباب يشعر بإحباط حقيقي يجب ألا نستخف به.
كل هذا يجب أن يُكتب عنه، وأن يُحقق فيه، وأن يناقش بجرأة.
لكن المغرب نفسه يبني الطرق والقطارات والموانئ، ويجذب الصناعات، ويطور البنيات التحتية، ويحقق اختراقات دبلوماسية، وينتج مقاولين ومهندسين وباحثين وفنانين، ويعيش صعود جيل جديد متصل بالعالم.
لماذا يفترض بنا أن نختار بين المغربين؟
كلاهما موجود.
والصحافة الحقيقية تبدأ عندما تكون قادرة على حمل التناقضين معاً.
الأزمة الوطنية ليست حفلاً تحريرياً
وهذه هي النقطة التي تزعجني أكثر من غيرها.
حين يدخل البلد أزمة، ترى لدى بعض المعلقين شيئاً يكاد يشبه الحماس.
كأنهم يقولون في سرهم:
أخيراً!
أخيراً وقع الحدث الذي يثبت أننا كنا على حق.
فتبدأ البثوث المباشرة التي لا تنتهي.
وتظهر «المعلومات الحصرية» التي يصعب التحقق منها.
وتُبنى سيناريوهات سياسية كاملة خلال ساعات.
ويُنتقى الضيوف والشهادات بما يخدم الرواية المعدة مسبقاً.
ثم تمر الأزمة.
ولا ينهار البلد.
وتختفي التنبؤات السابقة من الذاكرة الرقمية.
ولا يعود أحد ليقول:
لقد أخطأنا.
ثم تبدأ عملية انتظار الأزمة التالية.
نحتاج نقاداً… لا حفّاري قبور
الديمقراطية تحتاج إلى صحفيين مزعجين.
وإلى كتاب ساخرين.
وإلى معارضين أقوياء.
وإلى مثقفين مستقلين.
وإلى مواطنين يرفضون اللغة الخشبية.
لا أحد يحتاج صحافة مطيعة تتحول إلى جهاز علاقات عامة للمؤسسات.
لكن المجتمع لا يحتاج أيضاً إلى صناعة لليأس يقوم نموذجها الاقتصادي على إقناع المغاربة، كل صباح، بأن بلدهم بلا مستقبل.
لأن الإصرار اليومي على إخبار الناس بأن كل شيء ضائع لا يصنع بالضرورة ثورة.
قد يصنع شيئاً أكثر هدوءاً وأكثر خطورة:
الإحباط.
وحين يتحول الإحباط إلى شعور جماعي، يصبح قادراً على تدمير ما تزعم تلك الخطابات أنها تريد إصلاحه.
لذلك دعونا نواصل النقد.
ونواصل التحقيق.
ونواصل كشف الأخطاء.
ونواصل مساءلة المسؤولين.
لكن مع قاعدة واحدة:
لا تتمنَّ أن تكون الحقيقة أسوأ فقط لأن الخبر السيئ يصنع برنامجاً أفضل.
المغرب لا يحتاج إلى من يكذب عليه ويخبره أن كل شيء بخير.
ولا إلى من يكذب عليه أيضاً ليخبره أن كل شيء ينهار.
إنه يحتاج إلى شيء أصعب بكثير:
الحقيقة. حتى حين لا تحقق ملايين المشاهدات.
أزمة اجتماعية؟ نحن على أبواب الانفجار.
توتر دبلوماسي؟ المغرب أصبح معزولاً.
مظاهرة؟ النظام على حافة السقوط.
رقم اقتصادي سلبي؟ الدولة مقبلة على الإفلاس.
خطأ حكومي؟ المؤسسات كلها فاشلة.
أما إذا وقع حادث خطير، فلا يعود مجرد واقعة تحتاج إلى التحقيق والفهم، بل يتحول في دقائق إلى «الدليل النهائي» على انهيار المجتمع بأكمله. وإذا لم تسعف الوقائع أصحاب هذا الخطاب، فالحل جاهز: اختراع نظرية.
يربطون ثلاثة أحداث لا علاقة بينها، يستدعون «مصادر مطلعة» لا نعرف لها اسماً ولا صفة، تتحول الإشاعة إلى فرضية، والفرضية إلى شبه يقين، ثم يُستدعى إلى المنصة الأشخاص أنفسهم، لا لأنهم الأكثر قدرة على تفسير الحدث، بل لأنهم الأكثر استعداداً لتأكيد السيناريو الكارثي الذي جرى الإعلان عنه مسبقاً في الصورة المصغرة للفيديو.
أهلاً بكم في اقتصاد البؤس الرقمي.
النقد ليس المشكلة… تشويه البلد هو المشكلة
حتى لا يُساء فهم الكلام: لست ضد النقد.
على العكس تماماً.
من واجب الصحافة أن تكشف الفساد، وأن تناقش البطالة، وأن تفتح ملفات المدرسة والصحة والعدالة الاجتماعية، وأن تحاسب الوزراء، وأن تنتقد الإدارة، وأن تسائل السياسات العمومية.
يمكن للمواطن أن يكون غاضباً من حكومته ومخلصاً في الوقت ذاته لبلده.
بل قد ينتقد المؤسسات لأنه يريدها أقوى وأكثر عدلاً وكفاءة.
هذه وظيفة طبيعية في أي مجتمع حي.
لكن شيئاً آخر تسلل إلى جزء من فضائنا الإعلامي والرقمي: النقد المنهجي بوصفه نموذجاً اقتصادياً.
لم يعد الخطاب يقول: «هناك خلل يجب إصلاحه».
بل أصبح يقول: «لا شيء يعمل».
لم يعد يقول: «هذا القرار خاطئ».
بل: «كل شيء فاسد».
لم يعد يقول: «المغرب يواجه أزمة».
بل: «ألم نقل لكم منذ أشهر إن البلد يسير نحو الهاوية؟».
وفي هذه البيئة تختفي المنطقة الرمادية، لأن المنطقة الرمادية لا تحقق ما يكفي من النقرات.
الاعتدال لا يصنع دائماً جمهوراً كبيراً.
الكارثية أصبحت تجارة
هذه هي الحقيقة التي ينبغي مواجهتها.
اقتصاد الانتباه لا يكافئ بالضرورة الأكثر دقة، بل الأكثر قدرة على إثارة الخوف والغضب.
عنوان مثل:
«الوضع صعب ويحتاج إلى تحليل متوازن»
لن ينافس بسهولة عنواناً من قبيل:
«انتهى كل شيء!»
أو:
«المغرب على حافة الانفجار!»
أو:
«ما لا يريدونكم أن تعرفوه!»
أو:
«السلطة في حالة ذعر!»
الوصفة بسيطة: خطر، سر، متهم، «تسريب»، ثم كارثة وشيكة.
كلما زاد العنوان إثارة، ارتفعت احتمالات النقر. وكلما كانت الصورة أكثر سوداوية، زادت المشاهدات. وكلما اشتدت المعارك في التعليقات، ازداد رضا الخوارزمية.
هكذا تتحول الصدمة إلى منتج، والقلق إلى مادة أولية، والتشاؤم إلى أصل تجاري.
والمشكلة الأخلاقية تبدأ حين تصبح معيشتك مرتبطة بإقناع الناس بأن الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ.
لأنك، عندئذ، قد تجد نفسك بحاجة إلى الأزمة.
وإذا لم تكن الأزمة كارثية بما يكفي، فليس أسهل من تضخيمها حتى تصبح كذلك.
نادي أنبياء الانهيار
هناك أيضاً ظاهرة أخرى تستحق الانتباه: الضيوف الدائمون.
بعض المنصات الرقمية تحولت إلى ما يشبه النوادي المغلقة التي يدور فيها الأشخاص أنفسهم، حاملين الإجابات نفسها مهما اختلف السؤال.
الاقتصاد؟ كارثة.
الدبلوماسية؟ فشل.
المؤسسات؟ انهيار.
الشباب؟ ثورة وشيكة.
الانتخابات؟ تزوير.
الإصلاح؟ تمويه.
الاستثمار؟ دعاية.
خبر إيجابي؟ الأرقام مشكوك فيها.
خبر سلبي؟ الدليل القاطع على صحة النظرية.
إنها منظومة فكرية مريحة للغاية، لأن النظرية التي تستطيع تفسير النجاح والفشل بالمنطق نفسه تصبح نظرية يستحيل دحضها.
لكن هذا ليس تحليلاً.
إنها أيديولوجيا مغلقة.
وعندما أستخدم كلمة «العدمية»، فلا أقصد بها المعارضة ولا الأصوات الناقدة.
العدمية هنا هي الموقف الذي يصبح فيه الاعتراف بأي إنجاز وطني شبه مستحيل من حيث المبدأ، وكأن الاعتراف بأي تقدم يُعد خيانة للنarrative الذي بنيت عليه المنصة جمهورها.
الوطن ليس الحكومة
هذه من أبسط الحقائق التي نحتاج إلى استعادتها.
الوطن ليس الحكومة.
والمغرب ليس وزيراً.
وليس حزباً.
وليس أغلبية برلمانية.
المغرب تاريخ، وأرض، ومجتمع، وذاكرة، وملايين المواطنين، وأجيال رحلت وأخرى تستعد للدخول إلى الحياة.
يمكن أن تعارض حكومة من دون أن تتمنى فشل البلد.
يمكن أن تنتقد قراراً دون أن تجعل كل إخفاق محاكمة للمغرب كله.
يمكن أن تكون معارضاً شرساً من دون أن تتحول إلى مدعٍ عام دائم ضد وطنك.
وفي المقابل، الدفاع عن البلد لا يعني أبداً إنكار مشاكله.
فالخطاب الذي يقول إن كل شيء على ما يرام فقير فكرياً بقدر الخطاب الذي يقول إن كل شيء ينهار.
بين الاثنين توجد مساحة واسعة اسمها: الواقعية والصدق.
والصحافة التقليدية ليست بريئة
لنكن منصفين.
ليس اليوتيوبرز وحدهم من دفعوا بهذا الاتجاه.
نحن، في الإعلام التقليدي، ارتكبنا جزءاً من الخطأ.
تبنينا بعض قواعد المنصات.
قصرنا العناوين.
رفعنا مستوى الإثارة.
لاحقنا النقرات.
وحولنا أحياناً السؤال إلى شبهة، والشبهة إلى عنوان، والعنوان إلى حكم.
نحن نعرف جيداً إغراء الأرقام.
عدد الزيارات.
مدة المشاهدة.
نسبة التفاعل.
لكن الصحافة تبدأ، تحديداً، عندما نقاوم إغراء الواقع الأكثر ربحاً، ونختار الواقع الأكثر عدلاً.
الصحفي لا يفترض أن يصنع النسخة الأكثر رواجاً من الحقيقة، بل أن يحاول الوصول إلى النسخة الأكثر دقة منها.
حتى عندما تكون الحقيقة أقل إثارة.
المغرب ليس جنة… لكنه ليس جحيماً أيضاً
نعم، للمغرب مشاكل عميقة.
بطالة الشباب مقلقة.
الفوارق المجالية لا تزال كبيرة.
القدرة الشرائية تضغط على الأسر.
المدرسة العمومية تواجه تحديات ضخمة.
الوصول إلى العلاج غير متكافئ.
الثقة في بعض المؤسسات تحتاج إلى ترميم.
وهناك جزء من الشباب يشعر بإحباط حقيقي يجب ألا نستخف به.
كل هذا يجب أن يُكتب عنه، وأن يُحقق فيه، وأن يناقش بجرأة.
لكن المغرب نفسه يبني الطرق والقطارات والموانئ، ويجذب الصناعات، ويطور البنيات التحتية، ويحقق اختراقات دبلوماسية، وينتج مقاولين ومهندسين وباحثين وفنانين، ويعيش صعود جيل جديد متصل بالعالم.
لماذا يفترض بنا أن نختار بين المغربين؟
كلاهما موجود.
والصحافة الحقيقية تبدأ عندما تكون قادرة على حمل التناقضين معاً.
الأزمة الوطنية ليست حفلاً تحريرياً
وهذه هي النقطة التي تزعجني أكثر من غيرها.
حين يدخل البلد أزمة، ترى لدى بعض المعلقين شيئاً يكاد يشبه الحماس.
كأنهم يقولون في سرهم:
أخيراً!
أخيراً وقع الحدث الذي يثبت أننا كنا على حق.
فتبدأ البثوث المباشرة التي لا تنتهي.
وتظهر «المعلومات الحصرية» التي يصعب التحقق منها.
وتُبنى سيناريوهات سياسية كاملة خلال ساعات.
ويُنتقى الضيوف والشهادات بما يخدم الرواية المعدة مسبقاً.
ثم تمر الأزمة.
ولا ينهار البلد.
وتختفي التنبؤات السابقة من الذاكرة الرقمية.
ولا يعود أحد ليقول:
لقد أخطأنا.
ثم تبدأ عملية انتظار الأزمة التالية.
نحتاج نقاداً… لا حفّاري قبور
الديمقراطية تحتاج إلى صحفيين مزعجين.
وإلى كتاب ساخرين.
وإلى معارضين أقوياء.
وإلى مثقفين مستقلين.
وإلى مواطنين يرفضون اللغة الخشبية.
لا أحد يحتاج صحافة مطيعة تتحول إلى جهاز علاقات عامة للمؤسسات.
لكن المجتمع لا يحتاج أيضاً إلى صناعة لليأس يقوم نموذجها الاقتصادي على إقناع المغاربة، كل صباح، بأن بلدهم بلا مستقبل.
لأن الإصرار اليومي على إخبار الناس بأن كل شيء ضائع لا يصنع بالضرورة ثورة.
قد يصنع شيئاً أكثر هدوءاً وأكثر خطورة:
الإحباط.
وحين يتحول الإحباط إلى شعور جماعي، يصبح قادراً على تدمير ما تزعم تلك الخطابات أنها تريد إصلاحه.
لذلك دعونا نواصل النقد.
ونواصل التحقيق.
ونواصل كشف الأخطاء.
ونواصل مساءلة المسؤولين.
لكن مع قاعدة واحدة:
لا تتمنَّ أن تكون الحقيقة أسوأ فقط لأن الخبر السيئ يصنع برنامجاً أفضل.
المغرب لا يحتاج إلى من يكذب عليه ويخبره أن كل شيء بخير.
ولا إلى من يكذب عليه أيضاً ليخبره أن كل شيء ينهار.
إنه يحتاج إلى شيء أصعب بكثير:
الحقيقة. حتى حين لا تحقق ملايين المشاهدات.
وأخيراً… نصيحة أعرف أنها لن تعجب الجميع
انتقدوا بلدكم.
حاسبوا حكوماته.
واجهوا مسؤولي مؤسساته.
اكشفوا أخطاءهم حين توجد.
هذه ليست منّة من أحد.
إنها حق، وفي أحيان كثيرة واجب.
لكن لا تعبروا الخط الفاصل بين النقد بوصفه مطلباً ديمقراطياً، وبين تحويل الوطن إلى هدف دائم للهدم.
لأن من يصر على أن يكون دائماً على حق ضد بلده قد يجد نفسه، من حيث يدري أو لا يدري، سعيداً بكل ما يضعفه.
والأخطر من ذلك كله أن يتحول بعض أصحاب المنصات إلى أدوات مجانية في أيدي مصالح أجنبية، أو شبكات تأثير، أو غرف لا علاقة لأهدافها بالديمقراطية ولا بحرية التعبير ولا بمصلحة المغاربة.
في عالم تخاض فيه المعارك بالمعلومات بقدر ما تخاض فيه بالاقتصاد والسياسة، يمكن استغلال غضب حقيقي، أو إحباط اجتماعي، أو حتى غرور إعلامي صغير، وتحويله إلى وقود في معارك أكبر من أصحابها أنفسهم.
احتفظوا باستقلالكم.
احتفظوا بشككم.
احتفظوا بحقكم في النقد.
لكن احتفظوا أيضاً بالبوصلة.
يمكن أن تكون شديداً على حكومتك دون أن تصبح عدواً لدولتك.
ويمكن أن تحب المغرب دون أن تغلق عينيك عن عيوبه.
وعندما تأتي اللحظات الصعبة، تذكروا فقط هذه الحقيقة البسيطة:
الأوطان تُصلح عندما تواجه أخطاءها بشجاعة، لكنها لا تُبنى أبداً على متعة رؤيتها تتعثر.
حاسبوا حكوماته.
واجهوا مسؤولي مؤسساته.
اكشفوا أخطاءهم حين توجد.
هذه ليست منّة من أحد.
إنها حق، وفي أحيان كثيرة واجب.
لكن لا تعبروا الخط الفاصل بين النقد بوصفه مطلباً ديمقراطياً، وبين تحويل الوطن إلى هدف دائم للهدم.
لأن من يصر على أن يكون دائماً على حق ضد بلده قد يجد نفسه، من حيث يدري أو لا يدري، سعيداً بكل ما يضعفه.
والأخطر من ذلك كله أن يتحول بعض أصحاب المنصات إلى أدوات مجانية في أيدي مصالح أجنبية، أو شبكات تأثير، أو غرف لا علاقة لأهدافها بالديمقراطية ولا بحرية التعبير ولا بمصلحة المغاربة.
في عالم تخاض فيه المعارك بالمعلومات بقدر ما تخاض فيه بالاقتصاد والسياسة، يمكن استغلال غضب حقيقي، أو إحباط اجتماعي، أو حتى غرور إعلامي صغير، وتحويله إلى وقود في معارك أكبر من أصحابها أنفسهم.
احتفظوا باستقلالكم.
احتفظوا بشككم.
احتفظوا بحقكم في النقد.
لكن احتفظوا أيضاً بالبوصلة.
يمكن أن تكون شديداً على حكومتك دون أن تصبح عدواً لدولتك.
ويمكن أن تحب المغرب دون أن تغلق عينيك عن عيوبه.
وعندما تأتي اللحظات الصعبة، تذكروا فقط هذه الحقيقة البسيطة:
الأوطان تُصلح عندما تواجه أخطاءها بشجاعة، لكنها لا تُبنى أبداً على متعة رؤيتها تتعثر.