بقلم : عدنان بنشقرون
هذا أمر طبيعي، بل صحي أيضاً، شرط ألا نقع في خلط أصبح متداولاً: خلط النقد بالنفي، والاختلاف بالتبخيس. وعند النظر بهدوء إلى مرحلة 2021-2026، تبرز خلاصة واضحة : رغم قساوة الظروف وتعدد الضغوط، تبدو الحصيلة العامة أقرب إلى الإيجاب، خصوصاً من زاوية التماسك العام، والصمود الاقتصادي، وحجم الأوراش التي فُتحت.
إن حصيلة الفترة 2021-2026 تستحق، دون شك، أن تُقرأ باعتبارها حصيلة صمود مقرون بإرادة الإصلاح. فرئيس الحكومة، أمام البرلمان بغرفتيه، لم يكن يعرض أرقاماً ومؤشرات فحسب، بل سعى إلى فرض قراءة سياسية لولايته : قراءة تقدم حكومة وجدت نفسها في زمن الاهتزازات المتلاحقة، مجبرة على التدبير في ظروف صعبة، أحياناً في غياب الشعبية، وغالباً تحت ضغط الاستعجال، ومع ذلك لم تتخل عن هاجس التغيير.
كانت جائحة كورونا لا تزال حاضرة في الأذهان، ثم زادت حرب أوكرانيا في إرباك الأسواق، وضغط التضخم المستورد على القدرة الشرائية، وأضعفت السنوات الجافة الفلاحة، قبل أن تضيف التوترات الجيوسياسية الإقليمية مقداراً آخر من الضبابية. ويمكن طبعاً مناقشة الأسلوب والتواصل وترتيب الأولويات وحتى بعض مواطن التأخر، لكن إنكار أن الحكومة اشتغلت تحت إكراهات حقيقية لا يخلو من كسل في الحكم.
وهنا يبرز أول مفتاح في قراءة هذه الحصيلة : القدرة على الاحتمال وامتصاص الصدمات، فالمغرب لم يعش هذه السنوات في سياق عادي، ومع ذلك لم تتوقف الدولة، ولم تتراجع عن كبرى إصلاحاتها. وهذا يستحق أن يُقال، لأن النقاش العام يميل أحياناً إلى مقارنة نتائج واقعية بوعود صيغت كأنها في عالم مفترض، بلا حروب ولا تضخم ولا إجهاد مائي ولا توتر في الطاقة. والحقيقة أن الاختبار الفعلي لأي حكومة لا يكون في زمن الرخاء، بل في قدرتها على الثبات عندما تسوء المعطيات. ومن هذه الزاوية، يجوز للأغلبية أن تقول، دون مبالغة، إنها أبقت البلاد واقفة وهي تواصل التقدم.
أما على الواجهة الاقتصادية، فالمرافعة التي تقدمها الحكومة تبدو متماسكة، حتى وإن كانت لا تغلق كل الملفات، فهي تشير إلى أن النمو عاد إلى 4,8 في المائة سنة 2025 بعد ضعف 2022، وأن التضخم تراجع إلى 0,8 في المائة مع نهاية 2025 بعد أن بلغ 6,6 في المائة في ذروة الأزمة، وأن عجز الميزانية انخفض إلى 3,5 في المائة، مع ميل الدين إلى التراجع وارتفاع المداخيل الضريبية، ويمكن بالطبع مناقشة كل مؤشر على حدة، لكن جمعها في صورة واحدة يقود إلى معنى لا يمكن تجاهله : ثمة استعادة نسبية للتوازن، وقدر من التحكم، وأهم من ذلك كله أن الانهيار لم يقع في فترة دفعت فيها اقتصادات كثيرة أثماناً أفدح. وليس المقصود هنا صنع معجزة خيالية، بل الاعتراف بأن هناك جدية في تدبير التوازنات.
وهذا الاستقرار على المستوى الكلي ليس تفصيلاً تقنياً محضاً، بل هو خيار سياسي بامتياز، فالبلد الذي يفقد السيطرة على التضخم والعجز وصورته المالية لا يستطيع أن يحمي طبقاته الوسطى، ولا فئاته الهشة، ولا قدرته على اتخاذ القرار بسيادة. وخلف الجداول والأرقام، يظل السؤال الأهم هو سؤال الوجهة. ومن الواضح أن الحكومة أرادت أن تقول إن بناء دولة اجتماعية دائمة لا يمكن أن يتم فوق مالية عمومية مضطربة. وفي هذا المضمار، سيكون من الصعب أن يُقال بنزاهة إن كل شيء كان خاطئاً.
ويبرز الاستثمار بدوره كأحد أقوى أوجه السردية الحكومية، فالأرقام المقدمة هنا لا تسعى فقط إلى تسويق الثقة، بل إلى تثبيت فكرة أعمق: 381 مشروعاً مصادقاً عليه بغلاف يبلغ 581 مليار درهم، وما يقارب 245.000 فرصة شغل مباشرة وغير مباشرة، إلى جانب تحسن لافت في الاستثمار الأجنبي المباشر، وارتفاع واضح في الاستثمار العمومي بين 2021 و2026. وما وراء الأرقام هو رهان سياسي واضح: المغرب لا يريد أن يبقى مجرد مساحة للاستقرار الإداري، بل يسعى إلى أن يكون قاعدة للإنتاج والصناعة واللوجستيك والطاقة والتكنولوجيا. وهذا رهان بنيوي، لا مجرد عملية تسويق سياسي، خصوصاً في عالم يعيد ترتيب سلاسل القيمة ويرفع منسوب المنافسة بين الدول الصاعدة.
وصحيح أن الصورة ليست وردية بالكامل، فالبطالة لا تزال تؤلم، والفوارق المجالية ما زالت تضعف الإحساس بالإنصاف، والعالم القروي يتحمل بشكل أشد أثر المناخ والتأخر في التجهيز، كما أن كثيراً من الشباب لا يلمسون بعد أثر هذه المؤشرات الكبرى في حياتهم اليومية. هذا كله صحيح، لكن جدية التقييم تقتضي ألا نحول النقائص المستمرة إلى دليل على الفراغ العام، فالسياسة العمومية قد تكون ناقصة دون أن تكون عديمة الجدوى، والولاية قد تكون غير مثالية دون أن تكون فاشلة.
وعلى المستوى الاجتماعي تحديداً، سعت الحكومة إلى أن تظهر أن الحصيلة لم تبق حبيسة الأرقام الكلية، بل اتجهت نحو الأثر المباشر على الأسر. فهي تؤكد تعميم الحماية الاجتماعية، والتوسع الكبير في التغطية الصحية، والدعم الاجتماعي المباشر لما يقرب من أربعة ملايين أسرة، وتحمل اشتراكات الفئات الهشة، إلى جانب دعم الأطفال والأرامل والمسنين، واتخاذ تدابير لحماية القدرة الشرائية عبر صندوق المقاصة والمعالجة الجبائية.
وإذا نظرنا إلى الأمر بمنظار تطور الدولة المغربية، فإن ذلك ليس تفصيلاً عابراً، بل يشير إلى تحول في دور الدولة نفسها : فهي لم تعد تكتفي بالتحكيم، بل أصبحت توزع أكثر، وتعوض أكثر، وتتحمل أعباء أوسع. ويمكن طبعاً انتقاد سرعة التنفيذ أو تفاوتها أو تعقيدها الإداري، لكنه من الصعب إنكار أن تحولاً جارياً فعلاً.
ويعد الحوار الاجتماعي بدوره من الأوراق التي تستند إليها الأغلبية بوجه معقول، فالزيادات في الأجور في الوظيفة العمومية، والاتفاقات القطاعية في التعليم والصحة والتعليم العالي، وتحسن متوسط الأجر الصافي في القطاع العام، ورفع الحد الأدنى للأجر في القطاعين الصناعي والفلاحي، ومراجعة الضريبة على الدخل، كلها تظهر أن هناك وجهة سياسية واضحة. وصحيح أن هذا الخيار مكلف من ناحية الميزانية، وأنه لم ينه كل أشكال الغضب الفئوي، ولكنه دليل على وجود إرادة لضخ دخل إضافي، وتهدئة الجبهات الاجتماعية، والتعامل مع القدرة الشرائية بلغة الإجراء لا بلغة الشعار.
وقد عادت الصحة والتعليم أيضاً إلى صدارة الأولويات. وهنا أيضاً لا يصح أن نقيس كل شيء بالإحساس اللحظي. فتأهيل البنيات، والتوظيف، وتثمين المهن، والرقمنة، وتوسيع القدرات، وإصلاح الأنظمة، كلها أوراش تحتاج إلى وقت قبل أن يظهر أثرها بشكل كامل. وهنا يقع أحد أفخاخ النقاش السياسي المعاصر : أن نطالب بنتائج فورية في قطاعات تراكمت فيها الاختلالات طيلة عقود. وفي هذه النقطة، يبدو ما قاله رئيس الحكومة ضمنًا مقنعًا: خمس سنوات لا تكفي وحدها لمعالجة ما تراكم على مدى أزمنة طويلة.
وينبغي أيضاً الانتباه إلى بعد سياسي آخر، يكاد يكون نفسياً في هذه المرحلة من نهاية الولاية، فخطاب الحصيلة لم يرد أن يقنع بالأرقام فقط، بل أراد أن يضع القرار في مواجهة الجدل، والفعل في مواجهة الكاريكاتور السياسي، وقد لا يكون ذلك أنيقاً في كل مرة، وربما يظهر أحياناً بنفس دفاعي، غير أن المقصود يبقى مفهوماً : رفض أن يتحول نقاش 2026 الانتخابي إلى مسرحية تُبنى كلها على فكرة الفشل المطلق. فهذه الدراما قد تفيد تكتيكياً، لكنها تربك الوعي الجماعي. وعندما نصور كل حكومة على أنها كارثة كاملة، فإننا نفرغ السياسة من معناها ونضعف ثقة الناس في الفرز والحكم.
في المحصلة، السؤال الفعلي هو : هل كان هذا الانتقاد نافعاً؟ وهنا يبدو الجواب أقرب إلى نعم. نافعاً لأنه حمى بعض التوازنات من الانزلاق. نافعاً لأنه دفع إصلاحات اجتماعية كان الجميع يتحدث عنها منذ سنوات دون أن يتحمل كلفتها السياسية. نافعاً لأنه حافظ على جهد استثماري في فترة يغلب عليها عدم اليقين. ونافعاً، أخيراً، لأنه حكم في عالم أقل استقراراً مما كان عليه الوضع سنة 2021، من غير أن يكتفي بتسيير الحد الأدنى.
وفي العمق، تستحق حصيلة 2021-2026 أن تُقرأ كحصيلة صمود إصلاحي. فهي ليست ملحمة، كما أنها ليست انهياراً. إنها ولاية عملت تحت الضغط، بما فيها من مناطق ظل وتأخرات واختيارات قابلة للنقاش، ولكن أيضاً بما فيها من سمك سياسي ومادة ملموسة. وربما هذا هو الدرس الذي ينبغي أن يبقى حاضراً عند لحظة التقييم : رغم الضغوط، ورغم الصدمات، ورغم نفاد صبر جزء من المجتمع، فإن هناك معطيات ملموسة تساند فكرة أن الحصيلة العامة تميل إلى الإيجاب. ليست حصيلة مقدسة، ولا محصنة من النقد، ولكنها حصيلة يبدو أن ما أنجزته أثقل مما يراد تشويهه أو تصغيره.
أما في ملف القدرة الشرائية، فأطروحة الحكومة واضحة : فعلى الرغم من التضخم المستورد، وتوالي سنوات الجفاف، والصدمات الخارجية، حاولت الدولة أن تخفف الضغط عن الأسر من خلال الأجور، والتحويلات المباشرة، والإجراءات الجبائية، والدعم. وللدفاع عن هذا المنحى، تستند الحكومة إلى سلسلة من المؤشرات الاجتماعية والمالية الثقيلة. فقد جرى تعبئة 135 مليار درهم عبر نظام المقاصة للحد من ارتفاع أسعار عدد من المواد الأساسية، كما تؤكد أن الدعم الاجتماعي المباشر شمل ما يقرب من أربعة ملايين أسرة، بغلاف إجمالي بلغ 52 مليار درهم إلى غاية نهاية يناير 2026.
وعلى مستوى الدخول، تبرز الحكومة زيادة عامة قدرها 1.000 درهم صافية شهرياً لفائدة الموظفين، جرى تنفيذها على مرحلتين. وبذلك انتقل متوسط الأجر الشهري الصافي في الوظيفة العمومية، حسب المعطيات المقدمة، من 8.237 درهماً سنة 2021 إلى 10.600 درهم سنة 2025، أي بزيادة تقارب 29 في المائة، كما ارتفع الحد الأدنى الصافي للأجر الشهري في القطاع العام من 3.258 إلى 4.500 درهم.
وفي القطاع الخاص، تشير الحكومة إلى رفع الحد الأدنى للأجر في الأنشطة غير الفلاحية بنسبة 20 في المائة، حيث انتقل الأجر الشهري الصافي من 2.828,71 درهماً إلى 3.422,72 درهماً منذ فاتح يناير 2026. أما في الأنشطة الفلاحية، فقد ارتفع الحد الأدنى للأجر بنسبة 25 في المائة، منتقلاً من 1.994,2 درهماً إلى 2.533,44 درهماً ابتداءً من فاتح أبريل 2026. ويضاف إلى ذلك مراجعة الضريبة على الدخل، بكلفة فاقت 7,6 مليارات درهم، وهي خطوة قيل إنها ستحسن دخل فئات مختلفة بأكثر من 400 درهم.
في النهاية، تربط الحكومة الدفاع عن القدرة الشرائية أيضاً بولوج السكن، مؤكدة أن أكثر من 96.000 أسرة استفادت فعلاً من برنامج الدعم المباشر للسكن. وباختصار، فإن الرواية التي تدافع بها الحكومة عن نفسها تقول إنها، رغم الضغوط الخارجية والإكراهات الداخلية، سعت إلى ألا يترك الاضطراب الاقتصادي الأسر المغربية وحيدة أمام الغلاء.