كتاب الرأي

كيف نغالب الغرق في عالم بلا قواعد : بين صراع القوى و مستقبل عالم الـ G2


يتحدث بعض المحللين منذ الآن عن نظام عالمي ثنائي القطبية (G2) في أفق عام 2035. يبدو أن العالم يدخل مرحلة غريبة، تكاد تصيب بالدوار؛ حيث تتوالى الأزمات، وتبدو المؤسسات الدولية عاجزة، بينما تتصرف القوى العظمى بشكل متزايد وفق منطق علاقات القوة المكشوفة.



بقلم : عدنان بنشقرون

لقد جاءت الضربات العسكرية ضد إيران وما تلاها من تصعيد في الشرق الأوسط لتدق ناقوس الخطر وتذكرنا بهذه الحقيقة المريرة : النظام الدولي الذي بُني بعد الحرب العالمية الثانية يمر بمرحلة وهن عميق. ولكن خلف الصواريخ والتوترات الإقليمية، هناك تحول أوسع نطاقاً يجري الآن.
 

إن النظام الدولي قد يكون في طور الانتقال نحو هندسة قوة جديدة : عالم يهيمن عليه مركزا جاذبية، واشنطن وبكين. فكرة بسيطة لكنها حادة؛ قوتان خارقتان تهيكلان التوازنات العالمية، بينما تحاول بقية دول العالم الحفاظ على هوامش مناورتها.
 

لعدة عقود، ارتكز النظام الدولي على توازن هش بين القانون والدبلوماسية والردع. وشكلت الأمم المتحدة والمؤسسات متعددة الأطراف والاتفاقيات الدولية إطاراً يُفترض أن يحد من استخدام القوة. لم يكن هذا النظام مثالياً قط، ولطالما تم الالتفاف عليه، لكنه كان موجوداً. أما اليوم، فيبدو عاجزاً أكثر فأكثر عن كبح جماح التنافس بين القوى. ففي مجلس الأمن، تشل الانقسامات أي قرار جوهري، حيث تدافع الدول الكبرى عن مصالحها وتستخدم حق النقض (الفيتو) لمنع أي استجابة جماعية منسجمة.
 

والنتيجة واضحة : عادت القوة لتصبح الأداة المركزية للسياسة الدولية. التاريخ، في جوهره، لا يقدم جديداً؛ فالأصل في العلاقات بين الدول هو القوة. لكن ما يتغير اليوم هو السرعة التي تتحول بها التوازنات.
 

منذ نهاية الحرب الباردة، احتلت الولايات المتحدة موقعاً مهيمناً، لكن هذه الحقبة تلمس نهايتها. إن صعود الصين يمثل التحول الجيوسياسي الأهم في مطلع القرن الحادي والعشرين. في عقود قليلة، انتقلت بكين من وضع الدولة النامية إلى قوة اقتصادية وصناعية وتكنولوجية كبرى، وهي اليوم الشريك التجاري الأول لجزء كبير من دول "الجنوب العالمي".
 

أمام هذا الصعود، غيرت واشنطن استراتيجيتها جذرياً؛ إذ لم تعد تنظر إلى الصين كشريك تجاري صعب، بل كمنافس "سيستيمي" قادر على إعادة صياغة النظام الدولي. هذه المنافسة تتجاوز الميدان العسكري لتشمل الذكاء الاصطناعي، الحوسبة الكمية، الأقمار الصناعية، وأشباه الموصلات؛ حيث يصبح كل ابتكار أداة من أدوات القوة.
 

في المقابل، تطور بكين معمارها الخاص للنفوذ الاقتصادي عبر مبادرة "الحزام والطريق"، مما يخلق شبكة من التبعيات المتبادلة. حتى أن بعض الخبراء يتوقعون ظهور "إنترنت مجزأ" (Splinternet)، حيث تنقسم المعايير التكنولوجية والمنصات حسب كتل النفوذ.
 

عالم ثنائي القطبية.. لكنه مختلف عن الحرب الباردة يوحي مفهوم الـ G2 بالقطبية الثنائية التي سادت في الحرب الباردة، لكن المقارنة تنتهي سريعاً. في القرن العشرين، كان الكوكب منقسماً إلى كتلتين أيديولوجيتين جامدتين. أما اليوم، فالواقع أكثر تعقيداً؛ إذ يظل الاقتصادان الأمريكي والصيني مترابطين بشكل عميق، وتظل سلاسل الصناعة والأسواق المالية متشابكة. هذا التناقض هو ما يميز الجيوسياسة المعاصرة: تنافس استراتيجي وتعايش اقتصادي في آن واحد.
 

دور القوى الوسيطة والدبلوماسية المغربية في هذا المشهد المتحرك، ترفض دول عديدة الاصطفاف التلقائي. الهند، البرازيل، تركيا، والسعودية تتبنى استراتيجيات توازن دقيقة. وفي هذا السياق، تبرز الاستراتيجية المغربية القائمة على "الواقعية". لقد بنى المغرب دبلوماسية متوازنة تجمع بين التحالفات الصلبة وتنويع الشركاء. وتظل قضية الصحراء المغربية في قلب هذه الرؤية، حيث شكل الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب نقطة تحول كبرى، لكن الدبلوماسية المغربية لم تحصر نفسها في تحالف واحد، بل عززت علاقاتها مع أفريقيا وأوروبا وقوى آسيوية.
 

إن القوة الوطنية هي التأمين الاستراتيجي الحقيقي؛ فالرد لا يكمن فقط في التحالفات، بل في تعزيز القدرات الذاتية: اقتصادياً، تكنولوجياً، ودبلوماسياً. والمغرب، عبر مشاريعه الهيكلية في الصناعة والطاقة والبنية التحتية، يعزز قدرته على التأثير في التوازنات الدولية.
 

في أفق عام 2035، قد يتشكل العالم بالفعل حول قطبين مهيمنين، لكن هذا لن يعني بالضرورة اصطفافاً أعمى لبقية الكوكب. فالعديد من الدول ستسعى للحفاظ على استقلاليتها الاستراتيجية. والسؤال الحقيقي ليس من سيهيمن، واشنطن أم بكين، بل من هي الدول التي ستملك الكفاءة والرؤية للمناورة بين القطبين دون أن تفقد سيادتها.
 

في عالم تترنح فيه القواعد، القوة الحقيقية هي تلك التي تملك القدرة على أن تظل حرة في خياراتها





الاثنين 9 مارس 2026
في نفس الركن