بقلم : عائشة بوسكين
لم يكن كريستيانو رونالدو مجرد لاعب عابر في تاريخ كرة القدم، بل ظاهرة غيرت معايير الاحتراف والاستمرارية والطموح. فمنذ ظهوره الأول بقميص المنتخب البرتغالي سنة 2003، نجح في تحويل منتخب لم يكن مرشحاً دائماً للألقاب إلى منافس دائم على أكبر البطولات، وقاد جيلاً كاملاً إلى كتابة أجمل صفحات الكرة البرتغالية.
وفي كأس العالم، خاض رونالدو ست نسخ متتالية، بداية من مونديال ألمانيا 2006 وصولاً إلى نسخة 2026، ليصبح أول لاعب في التاريخ يشارك ويسجل في ست نسخ مختلفة من البطولة. وبين النسختين، عاش لحظات المجد وخيبات الأمل، فوصل إلى نصف النهائي سنة 2006، وبلغ أدواراً متقدمة في مناسبات أخرى، لكن اللقب ظل بعيد المنال.
ورغم أن المونديال استعصى عليه، فإن خزائنه امتلأت بكل ما يمكن أن يحلم به لاعب كرة قدم. فقد توج بخمس كرات ذهبية، وخمسة ألقاب لدوري أبطال أوروبا، وأربع كؤوس للعالم للأندية، إضافة إلى بطولات الدوري في إنجلترا وإسبانيا وإيطاليا، ليؤكد قدرته على النجاح في أكبر الدوريات الأوروبية، مهما اختلفت المدارس الكروية.
كما أصبح الهداف التاريخي لدوري أبطال أوروبا، والهداف التاريخي لريال مدريد، والهداف التاريخي للمنتخبات الوطنية، بعدما تجاوز حاجز 140 هدفاً بقميص البرتغال، فضلاً عن تجاوزه أكثر من 900 هدف في مسيرته الاحترافية، وهو رقم لم يسبق أن بلغه لاعب في العصر الحديث.
أما مع منتخب بلاده، فسيظل اسمه مرتبطاً بأعظم إنجازات البرتغال الكروية. ففي عام 2016، قاد منتخب "برازيل أوروبا" إلى أول لقب كبير في تاريخه بإحراز كأس أمم أوروبا، قبل أن يضيف لقب دوري الأمم الأوروبية، ليحول البرتغال من منتخب يبحث عن المفاجأة إلى منتخب ينافس على الألقاب.
لكن كأس العالم بقيت الاستثناء الوحيد في مسيرته. ففي كل نسخة، كان يدخل البطولة حاملاً آمال شعب كامل، ويغادرها بحسرة جديدة. ورغم تغير المدربين واللاعبين والأجيال، ظل الحلم نفسه يرافقه حتى صافرة النهاية في مونديال 2026.
والمفارقة أن غياب المونديال لا ينتقص بالضرورة من قيمة الأساطير. فالتاريخ احتفظ بمكانة الهولندي يوهان كرويف، والمجري فيرينتس بوشكاش، والفرنسي ميشيل بلاتيني، رغم أنهم لم يرفعوا الكأس الذهبية. وكرة القدم لطالما أنصفت اللاعبين بما قدموه داخل المستطيل الأخضر، لا بعدد الكؤوس فقط.
لقد أعاد رونالدو تعريف معنى الاحتراف. كان أول الواصلين إلى التدريبات وآخر المغادرين، وحوّل الانضباط البدني إلى أسلوب حياة، وأثبت أن الموهبة وحدها لا تكفي للبقاء في القمة، بل إن العمل اليومي والإصرار قادران على إطالة عمر المجد حتى العقد الخامس من العمر.
قد يقال إن كأس العالم أفلتت من بين يدي كريستيانو رونالدو، لكن الحقيقة أيضاً أن البطولة نفسها عاشت أجمل لحظاتها بوجود لاعب صنع جيلاً كاملاً من الحالمين، وألهم ملايين الأطفال حول العالم. ولهذا، فإن مونديال 2026 لم يشهد فقط نهاية مشاركة لاعب استثنائي، بل شهد إسدال الستار على واحدة من أعظم الحكايات التي عرفتها كرة القدم الحديثة