كتاب الرأي

قد أكون محافظًا، نعم، لكنني محافظٌ حيّ، لستُ محافظًا متحجّرًا

أنا لا أؤمن بتمجيد الجمود، ولا بهوس التغيير من أجل التغيير


لا أعتقد أن مجتمعًا يرتقي عبر هدمٍ منهجي لكل ما ورثه، كما لا أعتقد أنه يستطيع الاستمرار وهو يرفض رؤية العالم كما يتشكل من حوله. بين حنينٍ يشلّ الحركة واندفاعٍ أعمى إلى الأمام، يوجد مسارٌ أكثر صرامة : حركةٌ محسوبة، وتغييرٌ مُعترف به، لكن منسجم مع الإيقاع الحقيقي للمجتمع.



بقلم : عدنان بنشقرون

على المستوى المجتمعي، تعني هذه الرؤية أمرًا بسيطًا : لا يمكن إصلاح مجتمعٍ ضد ذاته. فالعقليات لا تتغير بقرارات فوقية، ولا بضغطٍ أخلاقي، ولا بنسخٍ آلي لنماذج مستوردة. التحولات العميقة تحتاج إلى وقت، إلى تربية وتدرج، إلى نقاش عمومي، وأحيانًا إلى تعاقب الأجيال. التسريع القسري باسم الحداثة غالبًا ما يُنتج عكسه: توترًا، ورفضًا، وانقسامات. المطلوب ليس رفض التغيير، بل فهم أن المجتمع لا يتحرك بثبات إلا حين يتعرف على نفسه في التغيير المقترح عليه. التقدم الذي يصطدم بحساسيته الجماعية نادرًا ما ينجح، أما الذي يتحاور معها ففرص استمراره أكبر.
 

هذا لا يعني تقديس كل التقاليد. فهناك ممارسات يجب مساءلتها، وظلم ينبغي مقاومته، وثقل ثقافي يستوجب تجاوزه. لكن كل إصلاح جدي يجب أن ينطلق من سؤال واضح: كيف نُغيّر دون أن نقتلع الجذور؟ لأن الاقتلاع ليس تحديثًا. يمكن الدفاع عن كرامة المرأة، والعدالة الاجتماعية، وتوسيع الحريات، دون تحويل التاريخ أو الدين أو الأسرة إلى مجرد عوائق يجب التخلص منها. المجتمع ليس برنامجًا معلوماتيًا يُحدَّث بضغطة زر، بل كيانٌ حيّ، مليء بالذاكرة والتناقضات والتوازنات والهشاشة.
 

اقتصاديًا، تنطبق القاعدة نفسها. فالحذر واجب من الحماسات المجردة. الاقتصاد لا يُدار بالشعارات أو الموضات الفكرية. نعم للإصلاح، نعم لتحفيز الاستثمار والابتكار، لكن مع وعيٍ بأن الاقتصاد ليس آلة لإنتاج النمو فقط، بل منظومة توزع الفرص والمخاطر. حين يكون التغيير سريعًا بلا حماية اجتماعية، فإنه يُثري قلة ويُضعف كثيرين، ثم يولّد رفضًا واسعًا للإصلاح ذاته.
 

أنا مع اقتصادٍ يتحرك، لكن ضد اقتصاد الصدمات المتتالية. مع التحديث، لا مع القسوة. يجب إصلاح سوق الشغل، لكن دون جعل الهشاشة قاعدة. يجب جذب الاستثمارات، لكن دون التضحية بالفئات الأضعف. نعم للتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، لكن دون ترك من لا يملك الوسائل خلف الركب. الاقتصاد السليم ليس الأسرع على الورق، بل الذي يتقدم دون أن يقسم المجتمع إلى نصفين.
 

وينطبق ذلك أيضًا على المجال الترابي. حين تدخل مناطق في دينامية عالمية متسارعة، بينما تبقى أخرى رهينة الهشاشة، فإننا لا نبني دولة متماسكة، بل بلدًا بسرعتين. والخطر السياسي يبدأ من هنا. فالمواطنون يقبلون التضحيات حين يشعرون أنهم جزء من مسار مشترك، ويرفضونها حين تبدو الحداثة امتيازًا لفئات محدودة.
 

سياسيًا، يتطلب هذا التوازن ممارسةً ترفض الشعبوية كما ترفض البرودة التقنية. الحكم ليس فرض قرارات، بل قيادة مجتمع. ليس إسقاط تصور نظري للمستقبل، بل بناء شروط تقبله. السلطة لا تختار بين الإصلاح والاستقرار، بل تصنع الاستقرار عبر الإصلاح، وتُنجز الإصلاح دون زعزعة مفرطة.
 

لهذا، أتحفظ على كل النزعات المتطرفة. هناك محافظون يرفضون التغيير بدافع الراحة، وهناك تقدميون يتجاهلون الواقع باسم المستقبل. كلاهما لا يقنعني. ما أؤمن به هو إصلاح تدريجي، واضح، صريح، قائم على مراحل وأهداف، وعلى فهم عميق للمجتمع. البطء لا يعني التراجع، بل يعني الرغبة في الاستمرار.
 

وهذا يقتضي أيضًا تصورًا معينًا للدولة : دولة قوية، لكنها حكيمة في الإيقاع. تعرف متى تُسرع، ومتى تتأنى، ومتى تحمي، ومتى تجرّب. دولة تميز بين الضروري والعابر، وتدرك أن لكل إصلاح زمنه الخاص.
 

في النهاية، موقفي بسيط : أنا مع التغيير، لكن التغيير الذي له روح. لا أريد بلدًا جامدًا، ولا بلدًا منزوع الجذور. أؤمن بالاستمرارية حين تحمي الأساس، وبالإصلاح حين يصبح ضرورة. فالمجتمع يحتاج جذورًا ليتحرك، ويحتاج حركةً ليبقى حيًا.
 

جوهر المسألة ليس الاختيار بين المحافظة والتغيير، بل معرفة ما الذي نحافظ عليه لكي نُغيّر، وما الذي نُغيّره لكي نحافظ على الأساس.
 

وربما هذه هي المسؤولية الحقيقية : ألا نُقدّس الماضي، ولا نُؤلّه القطيعة، بل أن نمضي بالمجتمع بسرعة يفهمها، ويستوعبها، ويجعلها في النهاية خياره هو.

 
 




الخميس 23 أبريل 2026
في نفس الركن