بقلم الكاتب والإعلامي: عبدالعزيز كوكاس
يعتبر فيلمLa Mer au loin البحر البعيد امتدادا ناضجا في مسار المخرج الشاب سعيد، يسلّط الضوء على تجربة الهجرة والغربة من منظور إنساني وشاعري، يتعامل مع الهجرة كحالة يومية تُستنزف فيها الذات ببطء. لا مآسٍ كبرى ولا انتصارات واضحة. فهو فيلم عن شيء أبسط وأكثر قسوة لكنه أكثر شاعرية، حول تجربة مهاجر مغربي يعيش حياته وهو غير متأكد إن كانت هذه الحياة نهائية أم مجرد محطة عابرة.
السينما دراما للتيه
تدور أحداث فيلم “البحر البعيد” في مرسيليا خلال تسعينيات القرن الماضي، ويتتبع مسار نور(الممثل الصاعد المذهل أيوب غريطع)، شاب مغربي من الشرق يهاجر إلى فرنسا هربا من ضيق العيش والاختناق السياسي والاجتماعي، بحثا عن حرية شخصية وحياة أخرى تبدو ممكنة في الضفة المقابلة من البحر.. في مرسيليا، ينغمس نور في حياة الهامش: العمل الهش، الصحبة المؤقتة، الليالي العابرة والمقاهي والحانات التي تجمع مهاجرين يشبهونه، كلهم يحملون أوطانهم كأعباء خفية (صوت الأم الحاضر كوجع).
يدخل نور في علاقة عاطفية مع امرأة فرنسية (الممثلة وعارضة الأزياء آنا موكلاليس Anna Mouglalis أحد أكثر الوجوه تفرّدا في السينما الفرنسية المعاصرة ببحة صوتها الموقعة)، علاقة غير متوازنة، تتأرجح بين الرغبة والاختلاف الثقافي، بين الوهم بالاندماج والواقع القاسي للنبذ غير المعلن.. هذه العلاقة تكشف له عمق غربته: غربة عن الوطن الذي غادره وغربة أعمق داخل المجتمع الفرنسي الذي قصده.
الفيلم لا يحكي قصة نجاح مهاجر
مع تصاعد الأحداث، يتضح أن الفيلم لا يحكي قصة نجاح مهاجر ولكنه سيرة تيه: تيه الهوية والانتماء وخيبة الحلم حين يصطدم بالواقع، ما يميّز “البحر البعيد” أنّه ينقل السينما من كونها فنّ الحكاية إلى فنّ الزمن بالمعنى الدولوزي: زمن قبل الحركة، إحساس قبل الفعل ومشهد قبل الحدث.، لا شيء متميز يحدث لأن العالم الحقيقي، خاصة في أعين المهاجرين والعاملين في قاع المجتمع، لا ينتظم حول الذروات. حيث الحياة تُكتب بالروتين تتبع الكاميرا التفاصيل الصغيرة وتجرؤ على تصوير هذا الروتين دون خجل.
نور الدين، بطل الفيلم، لا يصل إلى أوروبا بحلم كبير ولا يغادرها مكسورا، هو بين بين.. وهذه المنطقة الرمادية هي قلب الفيلم.. لا شيء حاسما في مصير نور وأصدقائه: العمل مؤقت، العلاقات هشة، الإقامة غير مستقرة، الحب ملتبس ومتوتر وحتى الفرح يبدو وكأنه مستعار.
هذه المنطقة بين بين هي جوهر الوجود المعاصر كما يصوره الفيلم: لا أحد يصل لما يريد، لا أحد يعود سالما بلا انكسار، ولا أحد ينتصر. البحر نفسه هو نفي الكاثارسيس، لا تطهير، لا نهاية مرضية، لا استقرار، فقط وجع مفتوح وتمزق هوياتي بلا مخرج.
“البحر البعيد” رمز بلا رومانسية
أغرقت السينما العربية البحر في الرمزيات الجاهزة: كحلم عبور ومجال للخطر وحدود للتحول وتهديد مستمر بالموت، أو كمكان رومانسي للحب والمجون أو مصدر رزق… وفي السينما المغربية يحضر البحر بوصفه بنية رمزية ثقيلة تتغيّر دلالتها بتغيّر الموقع الاجتماعي للشخصيات، وبحسب زاوية النظر إلى العالم. ففي”علي زاوا” لنبيل عيوش، يتحوّل البحر إلى فردوس متخيَّل لطفل لم يُتح له أن يعيش الحياة أصلا، بحر يُرى كتعويض أسطوري عن واقع حضري عنيف، نوعا من الخلاص الرمزي الذي لا يتحقق إلا بالموت.
على النقيض من ذلك، في “موت للبيع”، Mort à vendre لفوزي بن السعيدي، يحضر بحر الصويرة بقوة بصرية لكنه منزوع الوظيفة الخلاصية، لا تمنح المدينة الساحلية شخصياتها أفقًا، والبحر يصبح صمتا أزرق باردا، شاهدا محايدا على الانهيار الأخلاقي والوجودي، لا يدعو إلى العبور ولا يفتح باب الأمل، بقدر ما يرسّخ الإحساس بالاختناق داخل المكان نفسه، فيما فيلم “وبعد” لمحمد إسماعيل يجعل من البحر مجالا قاسيا للعبور، للموت، لوأد حلم الخلاص..
أما فيLa Mer au loin لسعيد حميش، فإن البحر يُعاد تموضعه بوصفه أفقا مؤجَّلا: فهو حاضر بصريا، غائب فعليا، يُرى ولا يُطال لأنه بعيد المنال. لم يعد البحر حلما صافيا كما في علي زاوا ولا شاهدا باردا كما لدى بن السعيدي، بقدر ما صار مسافة وجودية بين ذات مهاجرة وما تتخيّله عن الحرية. لا يقتل ولا ينقذ لكنه يُنتج التيه: فرار يتحوّل إلى إقامة طويلة في المنفى الداخلي. يبدو البحر في فيلم سعيد بن حميش أقلّ سخاءً من أن يكون طريق نجاة، وأكثر قسوة من أن يكون مجرد خلفية.
إنه، في العمق، مرآة لعطب اجتماعي وتاريخي يجعل الحلم، الموت والفرار وجوها مختلفة للمصير نفسه.
يظهر البحر في “البحر البعيد” كمنتصف جغرافيا، منتصف هوية، منتصف حلم.. بلا دراما وبلا بطولة. بحر حاضر كمسافة أكثر مما هو أفق.. شيء يفصل بين عالمين، يؤجّل التواصل كما القطائع، ويذكّر بأن ما وراءه ليس بالضرورة أفضل، وما خلفه لم يعد ممكنا كما كان. إنه “بعيد” لأن الاقتراب منه لا يمنح استقرارا ولا يقينا ولا سعادة… البحر في فيلم سعيد حميش حاضر كصورة بعيدة، ذاكرة معلّقة ومرآة لما خسره نور دون أن يعثر على بديله، لذلك يصور في لقطتي الذهاب والإياب مرتبطا بشخصية البطل ومؤطرا برؤية قصيرة المدى منحصرة في الباخرة وهي تشق عبابه وبتلاطم أمواج البحر.. نلمس البحر كحدّ رمزي يفصل بين ما كان وما لا يتحقق. الرغبة في الرحيل والعجز عن البقاء..
كيف يصبح الصمت أبلغ من الخطاب
يختار المخرج الكادر الثابت، اللقطة الطويلة، البطء والانتقالات القليلة، لأنه يراهن على استنزاف المتفرّج ببطء الإيقاع، لا على تتابع الحكاية.. هذا البطء يشكل جوهرا أسلوبيا يضع المشاهد في المنطقة نفسها التي يعيش فيها الأبطال: منطقة الزمن الفائض الذي يعتبر جوهر السينما الوجودية الحديثة من أوزو إلى بيلا تار.
يضع المخرج المتفرج أمام صورة مفتوحة بلا تعليمات. أمام ما يسميه جان لويس كومولي “الحياد الأخلاقي للكاميرا”، حين يضع الشخصيات على أطراف الإطار، تُقطع الرؤوس أجسادا بلا اكتمال وتُترك الفراغات تلتهم الصورة كما لو أنه يعيد صياغة العالم بصريا لشخصيات ليست في المركز، لا في الحياة ولا في الصورة.
يذهب فيلم “البحر البعيد” أبعد وهو يُصوّر الهامش بوصفه حالة وجودية. يغلب زمن الليل، زمن الشتاء البارد، أغلب الحوارات تدور في الليل، وحتى في مشهد الحوار بين نور وزوجته الفرنسية بقرب البحر، فإن الحوار الغامض والمتوتر يقتل رومانسية اللحظة، وهذه في تقديري واحدة من أرقى خصائص فيلم “البحر البعيد” فهو يلمح إلى أن العنف لم يعد يأتي من الدراما، بل من الواقع. لا يحتاج العالم المعاصر إلى تراجيديا ليكون قاسيا، فالمأساة المعاصرة هي أكبر سرد من أي متخيل، لذلك يخلو الفيلم من المرافعات والبكائيات والانتقادات المباشرة، حتى الصمت نفسه يغدو في الفيلم فائض حوار ولغة كاملة.
يسعى الإخراج إلى تنظيم زمن العيش
المتعة موجودة في الليل، الموسيقى، الجسد، الصداقات العابرة. والألم موجود في الخوف الصامت، في النظرات، في الاحتكاك اليومي مع سلطة لا ترى في الشخصيات إلا ملفا أو شبهة.
ويسعى الإخراج إلى تنظيم زمن العيش، زمن الأشخاص الذين لا يحدث لهم شيء كبير، لكن يحدث لهم كل شيء صغير، يوما بعد يوم.
يعتمد الفيلم على إخراج اقتصادي، أقرب إلى الاختفاء المتعمّد للمخرج. الكاميرا نادرا ما تفرض رأيًا، لا تُدين ولا تبرّر، تكتفي بالمراقبة. هذا الحياد الظاهري يمنح الصور قوتها: تُترك الشخصيات داخل الكادر لتدبّر وجودها بنفسها، بلا تدخل عاطفي من المصور. يمنح الفراغ داخل الكادر دلالة سردية.. فراغ الغرف، الشوارع وأماكن العمل يوازي فراغ المعنى في حياة الأبطال.
الإضاءة طبيعية في معظمها، غير مصقولة، قريبة من ضوء الواقع اليومي. لا يُقدَّم الليل كفضاء شاعري حيث تستمر الحياة دون أن تتغيّر قواعدها. حتى لحظات المتعة تُصوَّر دون احتفال بصري، كأن الفيلم يرفض منحها قيمة أكبر مما تحتمل.
إنه فيلم يثق في السينما بوصفها فنًّا للمدة، للفراغ، ولما لا يُقال. فيلم يُراهن على أن المتفرّج، إن صبر على إيقاعه، سيكتشف أن ما يبدو بسيطا هو في الحقيقة بناء دقيق لحياة تُعاش في المنتصف بصمت، وبكثير من الصدق.
السينما دراما للتيه
تدور أحداث فيلم “البحر البعيد” في مرسيليا خلال تسعينيات القرن الماضي، ويتتبع مسار نور(الممثل الصاعد المذهل أيوب غريطع)، شاب مغربي من الشرق يهاجر إلى فرنسا هربا من ضيق العيش والاختناق السياسي والاجتماعي، بحثا عن حرية شخصية وحياة أخرى تبدو ممكنة في الضفة المقابلة من البحر.. في مرسيليا، ينغمس نور في حياة الهامش: العمل الهش، الصحبة المؤقتة، الليالي العابرة والمقاهي والحانات التي تجمع مهاجرين يشبهونه، كلهم يحملون أوطانهم كأعباء خفية (صوت الأم الحاضر كوجع).
يدخل نور في علاقة عاطفية مع امرأة فرنسية (الممثلة وعارضة الأزياء آنا موكلاليس Anna Mouglalis أحد أكثر الوجوه تفرّدا في السينما الفرنسية المعاصرة ببحة صوتها الموقعة)، علاقة غير متوازنة، تتأرجح بين الرغبة والاختلاف الثقافي، بين الوهم بالاندماج والواقع القاسي للنبذ غير المعلن.. هذه العلاقة تكشف له عمق غربته: غربة عن الوطن الذي غادره وغربة أعمق داخل المجتمع الفرنسي الذي قصده.
الفيلم لا يحكي قصة نجاح مهاجر
مع تصاعد الأحداث، يتضح أن الفيلم لا يحكي قصة نجاح مهاجر ولكنه سيرة تيه: تيه الهوية والانتماء وخيبة الحلم حين يصطدم بالواقع، ما يميّز “البحر البعيد” أنّه ينقل السينما من كونها فنّ الحكاية إلى فنّ الزمن بالمعنى الدولوزي: زمن قبل الحركة، إحساس قبل الفعل ومشهد قبل الحدث.، لا شيء متميز يحدث لأن العالم الحقيقي، خاصة في أعين المهاجرين والعاملين في قاع المجتمع، لا ينتظم حول الذروات. حيث الحياة تُكتب بالروتين تتبع الكاميرا التفاصيل الصغيرة وتجرؤ على تصوير هذا الروتين دون خجل.
نور الدين، بطل الفيلم، لا يصل إلى أوروبا بحلم كبير ولا يغادرها مكسورا، هو بين بين.. وهذه المنطقة الرمادية هي قلب الفيلم.. لا شيء حاسما في مصير نور وأصدقائه: العمل مؤقت، العلاقات هشة، الإقامة غير مستقرة، الحب ملتبس ومتوتر وحتى الفرح يبدو وكأنه مستعار.
هذه المنطقة بين بين هي جوهر الوجود المعاصر كما يصوره الفيلم: لا أحد يصل لما يريد، لا أحد يعود سالما بلا انكسار، ولا أحد ينتصر. البحر نفسه هو نفي الكاثارسيس، لا تطهير، لا نهاية مرضية، لا استقرار، فقط وجع مفتوح وتمزق هوياتي بلا مخرج.
“البحر البعيد” رمز بلا رومانسية
أغرقت السينما العربية البحر في الرمزيات الجاهزة: كحلم عبور ومجال للخطر وحدود للتحول وتهديد مستمر بالموت، أو كمكان رومانسي للحب والمجون أو مصدر رزق… وفي السينما المغربية يحضر البحر بوصفه بنية رمزية ثقيلة تتغيّر دلالتها بتغيّر الموقع الاجتماعي للشخصيات، وبحسب زاوية النظر إلى العالم. ففي”علي زاوا” لنبيل عيوش، يتحوّل البحر إلى فردوس متخيَّل لطفل لم يُتح له أن يعيش الحياة أصلا، بحر يُرى كتعويض أسطوري عن واقع حضري عنيف، نوعا من الخلاص الرمزي الذي لا يتحقق إلا بالموت.
على النقيض من ذلك، في “موت للبيع”، Mort à vendre لفوزي بن السعيدي، يحضر بحر الصويرة بقوة بصرية لكنه منزوع الوظيفة الخلاصية، لا تمنح المدينة الساحلية شخصياتها أفقًا، والبحر يصبح صمتا أزرق باردا، شاهدا محايدا على الانهيار الأخلاقي والوجودي، لا يدعو إلى العبور ولا يفتح باب الأمل، بقدر ما يرسّخ الإحساس بالاختناق داخل المكان نفسه، فيما فيلم “وبعد” لمحمد إسماعيل يجعل من البحر مجالا قاسيا للعبور، للموت، لوأد حلم الخلاص..
أما فيLa Mer au loin لسعيد حميش، فإن البحر يُعاد تموضعه بوصفه أفقا مؤجَّلا: فهو حاضر بصريا، غائب فعليا، يُرى ولا يُطال لأنه بعيد المنال. لم يعد البحر حلما صافيا كما في علي زاوا ولا شاهدا باردا كما لدى بن السعيدي، بقدر ما صار مسافة وجودية بين ذات مهاجرة وما تتخيّله عن الحرية. لا يقتل ولا ينقذ لكنه يُنتج التيه: فرار يتحوّل إلى إقامة طويلة في المنفى الداخلي. يبدو البحر في فيلم سعيد بن حميش أقلّ سخاءً من أن يكون طريق نجاة، وأكثر قسوة من أن يكون مجرد خلفية.
إنه، في العمق، مرآة لعطب اجتماعي وتاريخي يجعل الحلم، الموت والفرار وجوها مختلفة للمصير نفسه.
يظهر البحر في “البحر البعيد” كمنتصف جغرافيا، منتصف هوية، منتصف حلم.. بلا دراما وبلا بطولة. بحر حاضر كمسافة أكثر مما هو أفق.. شيء يفصل بين عالمين، يؤجّل التواصل كما القطائع، ويذكّر بأن ما وراءه ليس بالضرورة أفضل، وما خلفه لم يعد ممكنا كما كان. إنه “بعيد” لأن الاقتراب منه لا يمنح استقرارا ولا يقينا ولا سعادة… البحر في فيلم سعيد حميش حاضر كصورة بعيدة، ذاكرة معلّقة ومرآة لما خسره نور دون أن يعثر على بديله، لذلك يصور في لقطتي الذهاب والإياب مرتبطا بشخصية البطل ومؤطرا برؤية قصيرة المدى منحصرة في الباخرة وهي تشق عبابه وبتلاطم أمواج البحر.. نلمس البحر كحدّ رمزي يفصل بين ما كان وما لا يتحقق. الرغبة في الرحيل والعجز عن البقاء..
كيف يصبح الصمت أبلغ من الخطاب
يختار المخرج الكادر الثابت، اللقطة الطويلة، البطء والانتقالات القليلة، لأنه يراهن على استنزاف المتفرّج ببطء الإيقاع، لا على تتابع الحكاية.. هذا البطء يشكل جوهرا أسلوبيا يضع المشاهد في المنطقة نفسها التي يعيش فيها الأبطال: منطقة الزمن الفائض الذي يعتبر جوهر السينما الوجودية الحديثة من أوزو إلى بيلا تار.
يضع المخرج المتفرج أمام صورة مفتوحة بلا تعليمات. أمام ما يسميه جان لويس كومولي “الحياد الأخلاقي للكاميرا”، حين يضع الشخصيات على أطراف الإطار، تُقطع الرؤوس أجسادا بلا اكتمال وتُترك الفراغات تلتهم الصورة كما لو أنه يعيد صياغة العالم بصريا لشخصيات ليست في المركز، لا في الحياة ولا في الصورة.
يذهب فيلم “البحر البعيد” أبعد وهو يُصوّر الهامش بوصفه حالة وجودية. يغلب زمن الليل، زمن الشتاء البارد، أغلب الحوارات تدور في الليل، وحتى في مشهد الحوار بين نور وزوجته الفرنسية بقرب البحر، فإن الحوار الغامض والمتوتر يقتل رومانسية اللحظة، وهذه في تقديري واحدة من أرقى خصائص فيلم “البحر البعيد” فهو يلمح إلى أن العنف لم يعد يأتي من الدراما، بل من الواقع. لا يحتاج العالم المعاصر إلى تراجيديا ليكون قاسيا، فالمأساة المعاصرة هي أكبر سرد من أي متخيل، لذلك يخلو الفيلم من المرافعات والبكائيات والانتقادات المباشرة، حتى الصمت نفسه يغدو في الفيلم فائض حوار ولغة كاملة.
يسعى الإخراج إلى تنظيم زمن العيش
المتعة موجودة في الليل، الموسيقى، الجسد، الصداقات العابرة. والألم موجود في الخوف الصامت، في النظرات، في الاحتكاك اليومي مع سلطة لا ترى في الشخصيات إلا ملفا أو شبهة.
ويسعى الإخراج إلى تنظيم زمن العيش، زمن الأشخاص الذين لا يحدث لهم شيء كبير، لكن يحدث لهم كل شيء صغير، يوما بعد يوم.
يعتمد الفيلم على إخراج اقتصادي، أقرب إلى الاختفاء المتعمّد للمخرج. الكاميرا نادرا ما تفرض رأيًا، لا تُدين ولا تبرّر، تكتفي بالمراقبة. هذا الحياد الظاهري يمنح الصور قوتها: تُترك الشخصيات داخل الكادر لتدبّر وجودها بنفسها، بلا تدخل عاطفي من المصور. يمنح الفراغ داخل الكادر دلالة سردية.. فراغ الغرف، الشوارع وأماكن العمل يوازي فراغ المعنى في حياة الأبطال.
الإضاءة طبيعية في معظمها، غير مصقولة، قريبة من ضوء الواقع اليومي. لا يُقدَّم الليل كفضاء شاعري حيث تستمر الحياة دون أن تتغيّر قواعدها. حتى لحظات المتعة تُصوَّر دون احتفال بصري، كأن الفيلم يرفض منحها قيمة أكبر مما تحتمل.
إنه فيلم يثق في السينما بوصفها فنًّا للمدة، للفراغ، ولما لا يُقال. فيلم يُراهن على أن المتفرّج، إن صبر على إيقاعه، سيكتشف أن ما يبدو بسيطا هو في الحقيقة بناء دقيق لحياة تُعاش في المنتصف بصمت، وبكثير من الصدق.
الحلقة القادمة :فيلم “الكلمات”: ثلاث حكايات متداخلة في قلب الحكاية الكبرى