كتاب الرأي

في القصر الكبير.. تبا لِتجار الأزمات


بقلم ياسين أيت حدو

لم تكن الفيضانات التي ضربت مدينة القصر الكبير مجرد كارثة طبيعية عابرة، بل تحولت سريعًا إلى امتحان قاسٍ للقيم الإنسانية، كشف عن وجه آخر لا يقل خطورة عن غضب الطبيعة، يتمثل في بروز ما يمكن تسميتهم بـ تجّار الأزمات.



ففي الوقت الذي كانت فيه المياه تحاصر البيوت، وتُتلف الممتلكات، وتُدخل الخوف إلى قلوب الأسر، ظهرت فئة رأت في المأساة فرصة للربح، وفي معاناة الناس سوقًا مفتوحة بلا ضمير ولا حدود. بدل أن تكون الأزمة لحظة تضامن وتكافل، تحولت عند البعض إلى مناسبة للمضاربة والاستغلال.

ارتفعت أسعار المواد الأساسية بشكل غير مبرر، وأصبحت أبسط الحاجيات اليومية عبئًا إضافيًا على ساكنة أنهكتها الخسائر. حتى الشمعة، التي لطالما كانت رمزًا بسيطًا للأمل في العتمة، لم تسلم من هذا الجشع، إذ قفز ثمنها بما يقارب خمسة عشر ضعفًا. لم يعد الناس يحرقون الشمعة لتنير لهم، بل أصبح البعض يحرقهم بها، مستغلين حاجتهم وانقطاع البدائل.

هذا السلوك لا يمكن اعتباره مجرد خلل عابر في السوق، بل هو تعبير صريح عن أزمة أخلاقية، حيث يُقدَّم الربح السريع على كرامة الإنسان، وتُستباح المعاناة الجماعية تحت ذريعة العرض والطلب. فالأزمات، مهما كانت طبيعتها، لا تبرر أبدًا تحويل الألم الإنساني إلى وسيلة للإثراء غير المشروع.

الخطير في تجّار الأزمات ليس فقط ارتفاع الأسعار، بل خلق شعور عام بالظلم وانعدام الثقة، حين يشعر المواطن أن الكارثة لم تأتِ وحدها، بل جلبت معها من يضاعف آثارها. فالكارثة الطبيعية قد تمر، لكن آثار الاستغلال تترك جروحًا أعمق في النسيج الاجتماعي.

إن ما عرفته القصر الكبير خلال هذه الأزمة يفرض نقاشًا مجتمعيًا صريحًا حول أخلاقيات التجارة في زمن الكوارث، وحول ضرورة حماية الفئات الهشة من منطق الجشع، وضمان ألا تتحول الحاجة إلى فخّ يُستغل بلا رحمة.

القصر الكبير لا تحتاج فقط إلى التعافي من آثار الفيضانات، بل تحتاج أيضًا إلى مواجهة هذا السلوك الذي يسرق من الناس آخر ما تبقى لهم: الإحساس بالأمان والعدالة. فالكوارث قد تكون قدرًا، لكن استغلالها اختيار، والاختيار هنا كان، للأسف، ضد الإنسان.




الثلاثاء 3 فبراير 2026
في نفس الركن