بقلم : عدنان بنشقرون
هذا النقاش، الذي غالباً ما يُختزل بشكل مبالغ فيه، يحجب حقيقة أساسية: المشكلة ليست في اقتصاد السوق بحد ذاته، بل تبدأ عندما يفقد السوق طابعه الحر ليصبح سوقاً مُحتكراً أو مُغلقاً أو خاضعاً لسيطرة عدد محدود من الفاعلين القادرين على فرض قواعدهم على المنتجين والمستهلكين معاً.
فالاقتصاد الحديث يحتاج إلى الحرية. فمن دون مبادرة خاصة لا يمكن تحقيق استثمار مستدام. ومن دون شركات لا توجد فرص عمل. ومن دون منافسة لا يمكن تحقيق الابتكار أو خفض الأسعار أو تحسين الجودة. لكن هذه الحرية لا تكون ذات معنى إلا إذا كانت قواعد اللعبة عادلة. وإلا تحولت إلى امتياز بيد الأقوى.
ومن هنا تستعيد مسألة التنظيم مشروعيتها. فالتنظيم لا يعني خنق الاقتصاد، والمراقبة لا تعني الإدارة المباشرة، والتدخل لا يعني العودة إلى نماذج متجاوزة. فالدولة المسؤولة لا تحل محل السوق، بل تمنع فقط تحويله إلى مجال للريع والاحتكار والتواطؤات واستغلال المواقع المهيمنة والمضاربات الانتهازية.
المواطن المغربي لا يطلب حرباً ضد المقاولة، بل يطلب سوقاً واضحاً، وأسعاراً مفهومة، وهوامش ربح قابلة للتبرير، ومنافسة حقيقية. يريد أن يفهم لماذا ترتفع بعض الأسعار فجأة، ولماذا لا يستفيد المنتج دائماً رغم أن المستهلك يدفع أكثر، ولماذا تستفيد بعض الأطراف من الأزمات عبر التحكم في قنوات غير شفافة.
السؤال الحقيقي إذن هو سؤال الثقة. فالاقتصاد يمكنه أن يتحمل ارتفاعات ظرفية، وضغوطاً دولية، وجفافاً، وتكاليف لوجستية متزايدة، لكنه لا يتحمل بسهولة فقدان الثقة المستمر. فعندما يعتقد المواطن أن الأسعار لم تعد تعكس فقط الكلفة بل أيضاً ممارسات خفية، يفقد السوق شرعيته الاجتماعية.
وعلى المستوى السياسي، يكشف هذا النقاش عودة حقيقة أساسية: الحكم لا يعني فقط تتبع المؤشرات الماكرو-اقتصادية، بل أيضاً حماية التوازن الاجتماعي. فالدولة التي تكتفي بمراقبة الاختلالات دون تدخل تصبح في نظر المواطنين عاجزة، وهذه العجزية هي أحد أهم مصادر فقدان الثقة.
الخطاب الذي يقدمه نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، يندرج ضمن هذا التوازن: نعم لاقتصاد السوق، لا لاقتصاد الريع؛ نعم للاستثمار، لا للاقتصاد القائم على الاستغلال؛ نعم لحرية المبادرة، لا لحرية التلاعب.
هذه المعادلة دقيقة لأنها تتجنب فخين: الليبرالية المفرطة غير الواقعية، والتدخل الدولة المفرط.
المغرب بحاجة إلى ميثاق اقتصادي جديد: ميثاق يحمي المنتجين الجادين، ويشجع المقاولين، ويجذب الاستثمارات، لكنه في الوقت نفسه يؤكد أن المستهلك ليس متغيراً هامشياً. فالتنافسية لا يمكن أن تُبنى على الغموض، والنمو لا يمكن أن يبرر الظلم، والحرية الاقتصادية لا يمكن أن تتحول إلى غطاء للريع.
هذه القاعدة تنطبق أيضاً على الطبقة الوسطى، التي كثيراً ما يتم الحديث عنها سياسياً، لكنها أقل حماية فعلياً. فهذه الفئة، عندما تتعرض لضغط الأسعار وتعيش قلق المستقبل، تبدأ في تقليص استهلاكها وتأجيل مشاريعها وفقدان الثقة في المؤسسات، وهو ما يتحول من إشكال اجتماعي إلى إشكال اقتصادي مباشر.
“سوق حر، ولكن غير متروك” — ربما هذه هي الصيغة الأقرب إلى التوازن. حر للإبداع، حر للاستثمار، حر للمنافسة، لكنه غير متروك للأقوياء فقط، ولا للمضاربين، ولا للقنوات المغلقة، ولا لمن يخلط بين الربح المشروع والريع غير المشروع.
فالسياسة الاقتصادية لا يمكن أن تختزل في الاختيار بين التحرير الكامل أو التحكم الكامل، بل في تنظيم التوازن. وهذا التوازن يحتاج إلى مؤسسات قوية، وهيئات منافسة فعالة، وشفافية في المعطيات، وعقوبات رادعة، وإرادة سياسية واضحة.
في النهاية، السوق ليس خصماً للدولة، بل يمكن أن يكون أداة فعالة للتنمية. لكنه يجب أن يظل فضاءً مفتوحاً وعادلاً وخاضعاً للرقابة. فعندما يعمل بشكل سليم، يعزز الابتكار ويكافئ الجهد ويحسن الحياة اليومية. أما عندما يُختطف، فإنه ينتج الإحباط والظلم والغضب.
الرهان الحقيقي هو إنقاذ السوق من انحرافاته. والتأكيد على أن الحرية الاقتصادية لا معنى لها إلا إذا استفاد منها الجميع. وإعادة المواطن إلى قلب نظام اقتصادي يتحدث كثيراً عن الأرقام والمؤشرات، لكنه يحتاج أكثر إلى الحديث عن الكرامة والثقة والعدالة.
المغرب لا يحتاج إلى سوق ضد الدولة، ولا إلى دولة ضد السوق. بل يحتاج إلى دولة قوية بما يكفي لضمان سوق عادل،