عبدالفتاح الصادقي إعلامي باحث في القانون العام والعلوم السياسية
يمثل قرار مالي سحب اعترافها بالجمهورية الصحراوية الوهمية نقطة تحول هامة في الديناميات الجيوسياسية التي تشهدها القارة الأفريقية بشكل عام، وقضية الصحراء المغربية، بشكل خاص. ويعكس هذا القرار، الذي يندرج ضمن اتجاه إقليمي ودولي أوسع، تآكل المواقف المتناقضة لحكام الجزائر من هذه القضية، فهم يدعون أنهم ليسوا طرفا، ولكنهم في الواقع، يتحركون سياسيا ودبلوماسيا وماليا لدعم الجبهة الانفصالية، كما أن الموقف الجديد لمالي يعكس تعزيز المكانة التي تتمتع بها المملكة المغربية على الساحتين الإفريقية والدولية.
ومن المؤكد أن هذا القرار ستكون لها تداعيات إقليمية بالغة الأهمية، حيث لا يمكن فهم سحب مالي اعترافها بالجمهورية الصحراوية الوهمية بمعزل عن السياق الجيوسياسي لمنطقة الساحل. فالمنطقة تمر بمرحلة إعادة تنظيم استراتيجي، تتسم بإعادة تعريف التحالفات والأولويات السياسية والدبلوماسية، وفي هذا الإطار، تبرز قضية الصحراء المغربية كأداة لإعادة التموضع الإقليمي، سواء بالنسبة للمملكة المغربية أو بالنسبة للدول الأفريقية التي باتت تدعمها في مبادرتها للحكم الذاتي، وتسحب اعترافها بالجمهورية الوهمية.
إن اقدام جمهورية مالي على سحب اعترافها بالجمهورية الصحراوية الموجودة فوق تراب تندوف، توجه رسالة واضحة ذات أبعاد متعدة داخليا وخارجيا، إنها رسالة إعادة تنظيم براغماتية، قائمة على المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية. ويعكس هذا القرار أيضًا رغبةً جمهورية مالي في توطيد علاقاتها مع شركاء أفارقة مؤثرين وموثوقين، ولا سيما المملكة المغربية، التي أظهرت انخراطها المتزايد في القضايا التي تهم أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، من خلال الاستثمارات ومشاريع التعاون والجهود الدبلوماسية الفعّالة، علاوة على العلاقات التاريخية والروحية القوية التي تربط المملكة بهذه البلدان.
ومن المؤكد أن هذا التحول في مواقف الدول الأفريقية التي ظلت مترددة، يساهم في تسفيه وإضعاف الخطاب الذي تروج له الجزائر، التي تعتبر الداعم الرئيسي لجبهة البوليساريو الانفصالية. فعلى مدى عقود، دافعت الجزائر عن الاعتراف بالجمهورية الصحراوية الوهمية باعتبارها مسألة إنهاء للاستعمار وحق الشعوب في تقرير المصير. إلا أن هذا التفسير بات محل جدل وتشكيك متزايد، لا سيما من جانب الدول الأفريقية التي أصبحت تُدرك أن حكام الجزائر "يختبؤون" وراء الشعارات والمبادئ من أجل تحقيق أهدافهم في فرض الهيمنة الإقليمية، وفرملة التطور الذي تشهده المملكة في مختلف المجالات، لا أقل ولا أكثر .
والحقيقة أن تطور المواقف الدبلوماسية والسياسية في أفريقيا يكشف عن تحول تدريجي مبني عن إدراك الحقائق على الأرض: فقد علّقت أو سحبت عدة دول اعترافها بالجمهورية الوهمية، لاعتقادها بأن هذا الكيان مصطنع لا يعكس الواقع الجيوسياسي الراهن، وبأن النزاع في الأصل مفتعل. ولا شك أن هذا التحول البراغماتي، جعل حكام الجزائر عاجزين عن حشد دعم دولي متواصل لأطروحتهم، وغير قادرين عن فك عزلتهم الدبلوماسية في القارة.
علاوة على ذلك، فإن السياق الداخلي والإقليمي للجزائر، الذي يتسم بتحديات اقتصادية وسياسية، يُحد من هامش مناورتها في إدارة هذه القضية التي جعلتها بمثابة سجل تجاري تزايد بها أمام الشعب الجزائري، الذي بات يدرك أن حكامه أنفقوا أموالا طائلة في "قضية" خاسرة ليست قضيتهم، في حين كان من المفروض إنفاق هذه الأموال في مشاريع تنموية للنهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمواطن الجزائري. والأكيد أن تزايد المنافسة الجيوسياسية في أفريقيا، ولا سيما مع ظهور جهات فاعلة دولية جديدة، يزيد من حدة حالة الضعف والوهن الذي تعرفه الجزائر في تعاطيها مع الشأن الأفريقي.
وفي الوقت نفسه، تنتهج المملكة المغربية استراتيجية دبلوماسية هادئة استباقية تهدف إلى تأكيد مشروعية وعدالة الموقف المغربي بالحجة والدليل وليس بالعواطف والشعارات، وإلى ترسيخ الاعتراف بمغربية الصحراء، وتعزيز مكانتها داخل القارة الإفريقية. ويمكن القول إن هذه الاستراتيجية ترتكز على عدة ركائز :
أولاً: دبلوماسية اقتصادية ديناميكية، تقوم على شراكات مثمرة مع العديد من الدول الأفريقية. وقد استثمرت المملكة المغربية خبرتها في قطاعات رئيسية كالبنية التحتية والطاقة المتجددة والخدمات المالية، والفلاحة مما عزز نفوذها الإقليمي.
ثانياً: تعتمد المملكة نهجاً سياسياً براغماتياً، بعيدا عن العواطف والشعارات، حيث تمكنت من الترويج والدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي وموثوق للنزاع المفتعل. وقد حظي هذا المقترح، فعلا، بدعم دولي متزايد، مما يشكل أساساً جديداً لحل الأزمة المفتعلة.
ثالثا: يُعد افتتاح قنصليات في مدينتي العيون والداخلة من قبل عدد من الدول الأفريقية والعربية مؤشراً قوياً على نجاعة النهج الذي اعتمدته المملكة. وتعكس هذه المبادرات اعترافاً عمليا بالسيادة المغربية، وتعزز شرعية موقفها.
وانطلاقا مما سبق ذكره، يُعدّ قرار مالي جزءًا من ديناميكية أوسع لإعادة تنظيم التحالفات وتشكيل موازين القوى في أفريقيا، وهو يعكس تحولًا في أولويات الدول الأفريقية، التي تُفضّل بشكل متزايد الشراكات القائمة على البراغماتية والمصالح الملموسة المعتمدة في العلاقات الدولية، حيث تُعطى الأولوية للاعتبارات الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية، بدلًا من المواقف الأيديولوجية الموروثة من الحرب الباردة، وهو ما سيفضي حتما إلى إغلاق هذا الملف على صعيد الساحة الأفريقية والدولية، خصوصا بعد قرار مجلس الأمن 2797 ، كما أن قرارات مالي و كينيا وغيرها من الدول الأخرى، تُمهّد الطريق لإعادة تعريف موازين القوى بين المغرب والجزائر، مع ترجيح كفة المغرب، وترسيخ مكانته في سياق دينامية أفريقية متغيرة.
ومن المؤكد أن هذا القرار ستكون لها تداعيات إقليمية بالغة الأهمية، حيث لا يمكن فهم سحب مالي اعترافها بالجمهورية الصحراوية الوهمية بمعزل عن السياق الجيوسياسي لمنطقة الساحل. فالمنطقة تمر بمرحلة إعادة تنظيم استراتيجي، تتسم بإعادة تعريف التحالفات والأولويات السياسية والدبلوماسية، وفي هذا الإطار، تبرز قضية الصحراء المغربية كأداة لإعادة التموضع الإقليمي، سواء بالنسبة للمملكة المغربية أو بالنسبة للدول الأفريقية التي باتت تدعمها في مبادرتها للحكم الذاتي، وتسحب اعترافها بالجمهورية الوهمية.
إن اقدام جمهورية مالي على سحب اعترافها بالجمهورية الصحراوية الموجودة فوق تراب تندوف، توجه رسالة واضحة ذات أبعاد متعدة داخليا وخارجيا، إنها رسالة إعادة تنظيم براغماتية، قائمة على المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية. ويعكس هذا القرار أيضًا رغبةً جمهورية مالي في توطيد علاقاتها مع شركاء أفارقة مؤثرين وموثوقين، ولا سيما المملكة المغربية، التي أظهرت انخراطها المتزايد في القضايا التي تهم أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، من خلال الاستثمارات ومشاريع التعاون والجهود الدبلوماسية الفعّالة، علاوة على العلاقات التاريخية والروحية القوية التي تربط المملكة بهذه البلدان.
ومن المؤكد أن هذا التحول في مواقف الدول الأفريقية التي ظلت مترددة، يساهم في تسفيه وإضعاف الخطاب الذي تروج له الجزائر، التي تعتبر الداعم الرئيسي لجبهة البوليساريو الانفصالية. فعلى مدى عقود، دافعت الجزائر عن الاعتراف بالجمهورية الصحراوية الوهمية باعتبارها مسألة إنهاء للاستعمار وحق الشعوب في تقرير المصير. إلا أن هذا التفسير بات محل جدل وتشكيك متزايد، لا سيما من جانب الدول الأفريقية التي أصبحت تُدرك أن حكام الجزائر "يختبؤون" وراء الشعارات والمبادئ من أجل تحقيق أهدافهم في فرض الهيمنة الإقليمية، وفرملة التطور الذي تشهده المملكة في مختلف المجالات، لا أقل ولا أكثر .
والحقيقة أن تطور المواقف الدبلوماسية والسياسية في أفريقيا يكشف عن تحول تدريجي مبني عن إدراك الحقائق على الأرض: فقد علّقت أو سحبت عدة دول اعترافها بالجمهورية الوهمية، لاعتقادها بأن هذا الكيان مصطنع لا يعكس الواقع الجيوسياسي الراهن، وبأن النزاع في الأصل مفتعل. ولا شك أن هذا التحول البراغماتي، جعل حكام الجزائر عاجزين عن حشد دعم دولي متواصل لأطروحتهم، وغير قادرين عن فك عزلتهم الدبلوماسية في القارة.
علاوة على ذلك، فإن السياق الداخلي والإقليمي للجزائر، الذي يتسم بتحديات اقتصادية وسياسية، يُحد من هامش مناورتها في إدارة هذه القضية التي جعلتها بمثابة سجل تجاري تزايد بها أمام الشعب الجزائري، الذي بات يدرك أن حكامه أنفقوا أموالا طائلة في "قضية" خاسرة ليست قضيتهم، في حين كان من المفروض إنفاق هذه الأموال في مشاريع تنموية للنهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمواطن الجزائري. والأكيد أن تزايد المنافسة الجيوسياسية في أفريقيا، ولا سيما مع ظهور جهات فاعلة دولية جديدة، يزيد من حدة حالة الضعف والوهن الذي تعرفه الجزائر في تعاطيها مع الشأن الأفريقي.
وفي الوقت نفسه، تنتهج المملكة المغربية استراتيجية دبلوماسية هادئة استباقية تهدف إلى تأكيد مشروعية وعدالة الموقف المغربي بالحجة والدليل وليس بالعواطف والشعارات، وإلى ترسيخ الاعتراف بمغربية الصحراء، وتعزيز مكانتها داخل القارة الإفريقية. ويمكن القول إن هذه الاستراتيجية ترتكز على عدة ركائز :
أولاً: دبلوماسية اقتصادية ديناميكية، تقوم على شراكات مثمرة مع العديد من الدول الأفريقية. وقد استثمرت المملكة المغربية خبرتها في قطاعات رئيسية كالبنية التحتية والطاقة المتجددة والخدمات المالية، والفلاحة مما عزز نفوذها الإقليمي.
ثانياً: تعتمد المملكة نهجاً سياسياً براغماتياً، بعيدا عن العواطف والشعارات، حيث تمكنت من الترويج والدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي وموثوق للنزاع المفتعل. وقد حظي هذا المقترح، فعلا، بدعم دولي متزايد، مما يشكل أساساً جديداً لحل الأزمة المفتعلة.
ثالثا: يُعد افتتاح قنصليات في مدينتي العيون والداخلة من قبل عدد من الدول الأفريقية والعربية مؤشراً قوياً على نجاعة النهج الذي اعتمدته المملكة. وتعكس هذه المبادرات اعترافاً عمليا بالسيادة المغربية، وتعزز شرعية موقفها.
وانطلاقا مما سبق ذكره، يُعدّ قرار مالي جزءًا من ديناميكية أوسع لإعادة تنظيم التحالفات وتشكيل موازين القوى في أفريقيا، وهو يعكس تحولًا في أولويات الدول الأفريقية، التي تُفضّل بشكل متزايد الشراكات القائمة على البراغماتية والمصالح الملموسة المعتمدة في العلاقات الدولية، حيث تُعطى الأولوية للاعتبارات الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية، بدلًا من المواقف الأيديولوجية الموروثة من الحرب الباردة، وهو ما سيفضي حتما إلى إغلاق هذا الملف على صعيد الساحة الأفريقية والدولية، خصوصا بعد قرار مجلس الأمن 2797 ، كما أن قرارات مالي و كينيا وغيرها من الدول الأخرى، تُمهّد الطريق لإعادة تعريف موازين القوى بين المغرب والجزائر، مع ترجيح كفة المغرب، وترسيخ مكانته في سياق دينامية أفريقية متغيرة.