كتاب الرأي

رمضان بين الروحانية والترمضينة.. أي نموذج نعيش في المغرب ؟


حين تُذكر كلمة رمضان في المخيال المغربي، يتبادر إلى الأذهان الدفء العائلي، مائدة الإفطار، صلاة التراويح، والتقرب من الله. هو شهر الرحمة والتضامن، شهر “لمة” العائلة ورائحة الشباكية والحريرة، وشهر التسامح الذي يخفف من قسوة الحياة اليومية.



لكن الواقع يكشف وجهاً آخر للشهر الفضيل، يطلق عليه المغاربة اسم “الترمضينة”. هذه الكلمة لم تعد مجرد وصف للجوع أو التعب، بل تحولت إلى سلوك اجتماعي شبه موسمي. يكفي أن تتجول في الشارع قبل المغرب لتلاحظ التوتر في الوجوه، السرعة في السياقة، الشجار على أمور بسيطة، العصبية في الإدارات، وحتى أحياناً داخل البيوت. وكأن المجتمع بأسره يعيش حالة استنفار نفسي طوال النهار، لينفجر عند أول احتكاك.

المفارقة أن رمضان شُرع لتربية النفس على الصبر، فإذا به يكشف هشاشتها. الصيام الذي يفترض أن يعمّق التحكم في الغضب يتحول عند البعض إلى مبرر له، وكأن الرسالة تُفهم معكوسة: بدل الامتناع عن الشهوات، نصوم عن الأخلاق.

في السياق المغربي، تتداخل عدة عوامل تفسر هذه الظاهرة. أولها الإيقاع اليومي المختل: السهر المفرط، قلة النوم، ضغط العمل، والاستهلاك المبالغ فيه قبل المغرب. ثانيها الضغط الاقتصادي، إذ تتحول نفقات رمضان إلى عبء نفسي على الأسر، فتزيد التوتر بدلاً من أن تعزز السكينة. ثالثها الفهم السطحي للصيام، الذي يُختزل أحياناً في الامتناع عن الطعام فقط، دون تهذيب السلوك.

رغم هذا الوجه القاتم، يظل رمضان في المغرب يحتفظ بروحه الخاصة. موائد التضامن، حملات الإحسان، امتلاء المساجد، وتزايد صلة الرحم، كلها دلائل على حضور الخير بقوة. المشكلة ليست في رمضان نفسه، بل في الطريقة التي نستقبله بها.

السؤال الحقيقي ليس: هل رمضان يقربنا من الله أم من السجن؟ بل: هل نحن مستعدون لفهم رمضان كمدرسة أخلاقية، أم كعادة اجتماعية موسمية فقط؟ رمضان لا يصنع العصبية، لكنه يكشفها، ولا يصنع الصبر، لكنه يمتحنه.

إذا أردنا نموذجاً مغربياً أجمل لرمضان، فالأمر لا يحتاج خطباً كثيرة، بل يبدأ من تفاصيل بسيطة: احترام الطريق، خفض الصوت، الصبر في الطوابير، وتذكير النفس بأن الصيام ليس حرماناً من الطعام فقط، بل تدريب على الإنسانية. رمضان فرصة سنوية لإعادة ترتيب الداخل، فإما أن نخرج منه أخف نفساً وأهدأ روحاً، أو نخرج منه فقط أكثر تعباً وجوعاً.




الأربعاء 25 فبراير 2026
في نفس الركن