كتاب الرأي

حين يختلط تسقيف الأسعار بالشعبوية: قراءة في موقف حزب الاستقلال من مقترح المحروقات


أثار عدم تصويت حزب الاستقلال لصالح مقترح القانون المتعلق بتسقيف أسعار المحروقات نقاشاً سياسياً واسعاً، حاول البعض تقديمه باعتباره تخلياً عن الدفاع عن القدرة الشرائية للمواطنين أو تراجعاً عن التزامات اجتماعية سابقة. غير أن القراءة الموضوعية للموضوع تقتضي التمييز بين المزايدة السياسية وبين النقاش العمومي الرصين المبني على الحقائق الاقتصادية ومقتضيات تدبير السياسات العمومية.



بقلم: سارة البوفي

إن أول ما ينبغي توضيحه هو أن النقاش الدائر لا يتعلق بمجرد موقف سياسي ظرفي، بل يتعلق باختيار اقتصادي له انعكاسات مباشرة على المالية العمومية وعلى استدامة الدولة الاجتماعية التي انخرط فيها المغرب خلال السنوات الأخيرة.

لقد اختار حزب الاستقلال عدم التصويت على مقترح تسقيف أسعار المحروقات ليس لأنه يرفض حماية القدرة الشرائية للمواطنين، بل لأنه يرى أن هذا المقترح يخلط بين مستويين مختلفين من التدخل العمومي: تسقيف الأسعار من جهة، وتسقيف هوامش الأرباح من جهة ثانية.

فأسعار المحروقات ليست أسعاراً محلية خالصة، وإنما ترتبط بشكل مباشر بأسعار النفط في الأسواق العالمية، وبتكاليف النقل والتكرير والتوزيع وتقلبات سعر صرف العملات. ولذلك فإن فرض سعر إداري ثابت أو شبه ثابت في سوق مفتوحة يظل إجراءً معقداً قد يؤدي إلى اختلالات اقتصادية ومالية لا تقل خطورة عن مشكلة ارتفاع الأسعار نفسها.

في المقابل، يدافع حزب الاستقلال عن مقاربة مختلفة تقوم على ضبط هوامش الربح ومحاربة الممارسات الاحتكارية والاتفاقات غير المشروعة بين الفاعلين الاقتصاديين. وهي مقاربة تستهدف مصدر الخلل الحقيقي عندما يتعلق الأمر بالأرباح المفرطة والجشع التضخمي، دون أن تنقل تكلفة ذلك إلى ميزانية الدولة أو إلى دافعي الضرائب.

والواقع أن هذا التوجه ليس وليد اللحظة، بل ينسجم مع التصور الذي ظل الحزب يدافع عنه منذ سنوات، والقائم على تحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية والواقعية الاقتصادية. فالدفاع عن القدرة الشرائية لا يعني بالضرورة العودة إلى سياسات الدعم الشامل التي أثبتت التجربة محدودية نجاعتها وعدالة توزيعها.

لقد أظهرت تجربة المقاصة في المغرب أن الجزء الأكبر من الدعم كان يستفيد منه أصحاب الدخول المرتفعة والفئات الأكثر استهلاكاً للطاقة، في حين كانت الفئات الهشة تستفيد منه بنسب أقل بكثير. لذلك جاء التوجه نحو الاستهداف المباشر للأسر المستحقة باعتباره خياراً أكثر عدالة وفعالية في توزيع الموارد العمومية.

ومن هنا تبرز المفارقة الأساسية التي يغفلها كثير من المنتقدين: هل يمكن للدولة أن تمول في الوقت نفسه دعماً شاملاً للمحروقات، وأن تستمر في تمويل ورش الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والدعم الاجتماعي المباشر للأسر؟

الجواب اقتصادياً ليس بسيطاً كما تحاول بعض الخطابات الشعبوية تقديمه. فالموارد العمومية ليست غير محدودة، وكل درهم يوجه إلى دعم شامل وغير موجه هو درهم قد يحرم قطاعاً اجتماعياً آخر من التمويل. ولهذا فإن الدولة الاجتماعية ليست مجرد توزيع للدعم، بل هي أيضاً حسن ترتيب للأولويات وضمان لاستدامة التمويل.

إن من المفيد التذكير هنا بأن حزب الاستقلال جعل من العدالة الاجتماعية والدفاع عن القدرة الشرائية محوراً أساسياً في برامجه السياسية والانتخابية، غير أن تنزيل هذه الأهداف يقتضي الموازنة بين المطالب المشروعة والإمكانات المتاحة. فالأحزاب المسؤولة لا تُقاس بقدرتها على رفع الشعارات، وإنما بقدرتها على التوفيق بين الطموح الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي.

كما أن من الإنصاف السياسي التذكير بأن الأطراف التي تهاجم اليوم موقف حزب الاستقلال هي نفسها التي كانت في مراحل سابقة من أبرز المدافعين عن تحرير أسعار المحروقات ورفع الدعم عنها دون إرساء آليات كافية لحماية المستهلك. ولذلك فإن تحويل النقاش من تقييم السياسات إلى توزيع صكوك الوطنية والحرص الاجتماعي لا يخدم الحقيقة ولا يخدم المواطن.

إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس: لماذا لم يصوت حزب الاستقلال على مقترح تسقيف الأسعار؟ بل: ما هي الآلية الأكثر نجاعة لحماية القدرة الشرائية للمغاربة دون الإضرار بالتوازنات المالية للدولة ودون المساس بمكتسبات الحماية الاجتماعية؟

في هذا السياق يبدو أن مقترح تسقيف هوامش الأرباح، وتعزيز المنافسة، وتفعيل دور مجلس المنافسة، ومحاربة الاحتكار والمضاربة، يمثل خياراً أكثر واقعية وأقل كلفة وأكثر انسجاماً مع منطق الدولة الاجتماعية الحديثة.

إن السياسة ليست فن إطلاق الوعود، بل فن اتخاذ القرارات الصعبة أحياناً. ولذلك فإن المواقف المسؤولة قد لا تكون دائماً الأكثر شعبية، لكنها غالباً ما تكون الأكثر قدرة على حماية المصلحة العامة على المدى البعيد.




السبت 20 يونيو/جوان 2026
في نفس الركن