بقلم : عدنان بنشقرون
إن ما يثير الذهول هنا ليس راديكالية الموقف — فالتاريخ يغصّ بالتصريحات المتطرفة — بل هي 'الحجة' المستدعاة. فالمبرر ليس الأمن القومي، ولا التاريخ المعاصر، ولا حتى قراءة استراتيجية براغماتية لموازين القوى، بل هو نصّ من (سِفر التكوين). نصّ ديني يعود لآلاف السنين، يُستحضر اليوم، في عام 2026، لتبرير إعادة صياغة جذرية للخارطة الإقليمية في الشرق الأوسط. وعلى لسان مَن؟ سفير الولايات المتحدة. في هذه المرحلة، لم يعد الأمر مجرد استفزاز عابر، بل أصبح (عَرَضاً) لخلل أعمق.
إن ما يحدث هنا يتجاوز شخص 'هوكابي' بكثير؛ فهذه التصريحات تعرّي الخلط المتزايد بين العقيدة والأيديولوجيا والدبلوماسية، في عالم هشّ تمزقه الصراعات والروايات الهووية وتقويض القانون الدولي. فحين يزعم 'هوكابي' أن «الأرض وهبها الله لشعب مختار»، فهو لا يتحدث بلسان القس الإنجيلي فحسب، بل يتحدث من موقع السلطة والقرار؛ وهذا ما يغير الموازين تماماً.
يجب أن نكون واضحين : لا يمكن لنظام دولي حديث أن يصمد أمام دبلوماسية ترتكز على 'وعود غيبية'. فالمنظومة المنبثقة عن عام 1945 — رغم علاتها وانتهاكاتها المتكررة — تقوم على مبادئ مدنية صرفة: سيادة الدول، الحدود المعترف بها، حقوق الشعوب، وحل النزاعات عبر التفاوض. أما إقحام 'الحق التوراتي' في هذه الهندسة، فهو بمثابة فتح 'صندوق باندورا' (صندوق الشرور) الذي لن يملك أحد القدرة على لجم تداعياته. فإذا غدا سِفر التكوين 'صك ملكية'، فلماذا نتوقف عنده؟ وأي دين، أو نص، أو تأويل ستكون له السلطة حينها؟ ومن ذا الذي يملك حق الفصل؟
لقد كان الحوار مع 'تاكر كارلسون' كاشفاً في هذا السياق؛ فالصحفي المحافظ، رغم بُعده التام عن نصرة القضية الفلسطينية، حاصر 'هوكابي' بأسئلة وضعت منطقَه على المحك. إذ تساءل كارلسون عن 'الاتساق الأخلاقي' لخطابٍ يمنح حقوقاً تاريخية ليهود قادمين من أوروبا الشرقية، بينما يُهمّش حقوق سكان مسيحيين ومسلمين يعيشون في بلاد الشام منذ قرون. وجاء رد 'هوكابي' — الذي رفض المنطق الوراثي واستدعى 'شهادة الحجارة' — ليعلن عن انزلاق خطير: حيث يغدو علم الآثار إيماناً، والإيمان سياسة، والسياسة تبريراً للاستحواذ
سيكون من السطحية بمكان اعتبار هذه التصريحات مجرد (نزوة أيديولوجية) عابرة؛ فمايك هوكابي ليس لاعبا منفردا يغرد خارج السرب، بل هو تجسيد لتيار جارف في الولايات المتحدة: 'الصهيونية المسيحية'. هذا التيار المتجذر بعمق في أوساط الناخبين الإنجيليين، والنافذ في أروقة الكونغرس، والصادح بقوة في دوائر صنع القرار، لا يدعم إسرائيل انطلاقاً من حسابات جيوسياسية، بل بدافع قناعات 'إسكاتولوجية' (متعلقة بنهاية العالم). بالنسبة لهؤلاء، لا يُنظر إلى التوسع الجغرافي لإسرائيل كجازفة أو خطر، بل كـ 'محطة' حتمية؛ محطةٌ ضمن رواية 'نهاية الزمان' التي يخشى الدبلوماسيون تسميتها بمسمياتها، بينما يبدو أن البعض بدأ يتبناها علانية
وعليه، فإن المشكلة لا تكمن فيما قيل فحسب، بل فيما تم كشفه؛ دبلوماسية أمريكية تمزقها منطقيات داخلية متناقضة. فمن جهة، هناك وزارة خارجية لا تزال تؤكد تمسكها بالقانون الدولي والاستقرار الإقليمي والحل التفاوضي؛ ومن جهة أخرى، نجد شخصيات سياسية عُينت في مناصب عليا تتحدث لغة مغايرة تماماً، مما يخلط الأوراق، ويذكي بذور الشك، ويقوّض مصداقية واشنطن.
لم تتأخر الردود الدولية؛ فمن القاهرة إلى الرياض وعمان، جاءت الإدانات فورية. ليس فقط لأن كلام هوكابي يمس سيادة الدول، بل لأنه يحيي فكراً استعمارياً لاهوتياً (دينياً) تعرفه المنطقة جيداً. في شرق أوسط مثخن بالحروب، يقع كلام دبلوماسي غربي عن "أرض الميعاد" كمحرك للغضب والعداء الشديد.
كما أن هناك "تململاً" داخل إسرائيل نفسها؛ فرغم وجود تيارات متطرفة ترحب بهذا الكلام، إلا أن الدولة الرسمية لا تدعي ضم المنطقة بالكامل باسم الدين. إن الإيحاء بعكس ذلك يعرض إسرائيل لعزلة دولية، ويغذي تهم التوسع الديني، ويعقد أي فرصة للتهدئة.
في النهاية، تضعنا هذه الواقعة أمام سؤال جوهري : إلى أي مدى يمكن لقوة عظمى أن تترك ممثليها يتحدثون بناءً على قناعاتهم الشخصية دون تحمل تبعات ذلك؟ هذا الغموض خطر؛ فهو يغذي التطرف ويضعف المؤسسات الدولية.
لا يكفي أن نظل مذهولين، بل يجب أن نرى في هذا التصريح "ناقوس خطر"؛ إنه عودة للدين كحجة سياسية صريحة لمشروع توسع جغرافي. وإذا تم قبول هذا المنطق، فإننا سنحول صراعات القرن الحادي والعشرين إلى "حروب مقدسة" لا حل فيها ولا تسوية.
الشرق الأوسط لا يحتاج لنبوءات، بل يحتاج للقانون والمسؤولية. وعلى الولايات المتحدة أن توضح موقفها : "التوراة" ليست معاهدة لرسم الحدود، والإيمان لا يمكن أن يحل محل القانون الدولي. وبدون هذا الوضوح، فإن الصدمة التي نعيشها اليوم ستتحول إلى واقع أكثر خطورة