بقلم : عدنان ينشقرون
اختزال حزب الاستقلال في كونه مجرد آلة انتخابية قراءة سطحية، يستفيد منها من يفضل تفكيك الجمل خارج سياقها وصناعة روايات جاهزة تُقدَّم كحقائق سياسية. في حين أن الخطاب الذي يقدمه الأمين العام نزار بركة أكثر تعقيدا من ذلك، إذ لا يركز فقط على موقع الحزب داخل الحكومة أو المعارضة، بل على مدى قدرته على تقديم فائدة حقيقية للبلاد.
المشاركة السياسية ليست هدفا في حد ذاتها، بل وسيلة، وإذا لم تترجم إلى أثر اجتماعي وتحسين في حياة المواطن، فإن العمل السياسي يفقد معناه. الحزب الذي ينشغل فقط بصناديق الاقتراع ينتهي إلى خطاب فارغ من النقد الذاتي، ويقدم وعودا لا تعكس الواقع. والاعتراف بوجود نقائص لا يعني الضعف، بل هو رفض للخطاب الشعبوي.
يرتكز حزب الاستقلال في جزء كبير من خطه السياسي على الدفاع عن الطبقة المتوسطة والأجراء والمتقاعدين وأصحاب المشاريع الصغيرة، أي الفئات التي تتحمل عبء الاقتصاد اليومي دون أن تستفيد دائما من نتائجه. هذا التوجه يثير حساسيات لأنه يطرح قضايا العدالة الاجتماعية والشفافية ومحاربة تضارب المصالح والعدالة الجبائية، وهي ملفات تمس مصالح قائمة.
مفهوم العدالة الاقتصادية الذي يدافع عنه الحزب ليس شعارا عابرا، بل رؤية تقوم على حماية القدرة الشرائية وتوسيع العدالة الضريبية ودعم الإنتاجية وربط الاقتصاد بمبدأ الإنصاف. في سياق يتسم بضغط متزايد على الطبقة الوسطى بسبب الغلاء والسكن والتعليم والصحة والضرائب، تظل هذه القضايا مطروحة بقوة.
ويتجلى هذا التوجه أيضا في الدفاع عن المقاولات الصغرى والمتوسطة، وهو ما يعني إعادة النظر في بعض التوازنات الاقتصادية القائمة، خصوصا تلك التي تهيمن عليها قوى كبرى أو شبكات مصالح مستقرة. دعم هذه المقاولات يرتبط مباشرة بالتشغيل والتنمية المحلية وتقليص الفوارق المجالية.
من هذا المنظور، يصبح الحزب في مواجهة غير مباشرة مع ما يمكن وصفه برأسمالية مريحة تفضل الأسواق المغلقة والمواقع المضمونة على حساب المنافسة والانفتاح. لذلك فإن الحديث عن دعم المقاولات الصغيرة ليس مجرد خيار اقتصادي بل موقف له كلفة سياسية.
ويُنتقد الحزب أيضا بسبب حضوره المحلي واعتماده على المنتخبين والفاعلين الترابيين، لكن من الصعب تصور أي حزب سياسي قادر على التأثير دون هذا الامتداد في الجماعات والجهات والمؤسسات القريبة من المواطن. فالممارسة السياسية لا تتم فقط داخل المؤتمرات بل داخل الحياة اليومية.
أما أمينه العام نزار بركة، فيُؤخذ عليه أسلوبه الهادئ وطابعه التقني في التعامل مع الملفات. لكن في سياق سياسي يغلب عليه الصخب والمواجهة، يمكن اعتبار هذا الأسلوب خيارا مختلفا يقوم على معالجة القضايا المعقدة مثل الماء والبنيات التحتية والاقتصاد دون تحويلها إلى عروض إعلامية.
كما يسعى الحزب إلى الانفتاح على الشباب من خلال برامج التكوين والتأطير السياسي، في محاولة لتمكين جيل جديد من أدوات المشاركة في الشأن العام. هذا التوجه يعكس رغبة في تجديد النخب وعدم الاكتفاء بالرصيد التاريخي.
في النهاية، لا يتعلق النقاش بما إذا كان حزب الاستقلال هو نفسه الذي كان في الماضي، بل بمدى قدرته على تحويل إرثه السياسي إلى مشروع يخدم الحاضر والمستقبل. فالمعركة الحقيقية ليست فقط من أجل المقاعد، بل من أجل القدرة على تقديم حلول في مجالات العدالة الاجتماعية، ودعم الطبقة المتوسطة، وتقوية المقاولات الصغرى، وتعزيز الانفتاح على الشباب