كتاب الرأي

حرب السرديات: كل طرف ينتصر… في نشرته الإخبارية فقط


بقلم :ياسين أيت حدو

لم تعد الحروب الحديثة تخاض فقط بالصواريخ والطائرات بل أصبحت تدار أيضا بالكلمات والصور والتدوينات. في خضم التوتر المستمر بين دونالد ترامب وإيران، خصوصا عبر تصريحات الناطق الرسمي باسم الحرس الثوري الإيراني، يتضح أن ما يجري ليس مجرد صراع سياسي أو عسكري، بل هو حرب سرديات بامتياز، تمتد من الواقع إلى الفضاء الرقمي.



منذ سنوات اعتمدت الإدارة الأمريكية، خلال فترة دونالد ترامب خطابا حادا تجاه إيران يقوم على تصويرها كخطر دائم على الاستقرار الدولي، مع التركيز على برنامجها النووي ونفوذها في الشرق الأوسط. في المقابل تبني إيران عبر مؤسساتها الرسمية وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، سردية  المقاومة، مقدمة نفسها كمدافع عن السيادة في وجه الهيمنة الأمريكية والتهديد الإسرائيلي.

هذه المواجهة السردية لا تنتج فقط خطابات سياسية، بل تغذي واقعا متوترا تتداخل فيه المصالح الجيوسياسية مع الرأي العام. فكل طرف يسعى إلى كسب المعركة الرمزية قبل الميدانية:
أمريكا تحشد حلفاءها عبر خطاب الردع، وإيران تعبئ جمهورها الداخلي والإقليمي عبر خطاب الصمود. وبين هذا وذاك  يبرز الدور المحوري لإسرائيل التي تجد نفسها في قلب هذه المعادلة، سواء كحليف استراتيجي لواشنطن أو كخصم مباشر لطهران.

الأخطر أن هذه الحرب لم تعد حكرا على المنابر الرسمية بل انتقلت بقوة إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تتحول كل تغريدة أو تصريح إلى مادة تعبئة وتأثير. هنا تتقاطع السياسة مع الإعلام الرقمي وتصبح الحقيقة نسبية، خاضعة للتأويل وإعادة الصياغة. فالصورة الواحدة قد تستخدم لتأكيد روايتين متناقضتين، والخبر ذاته قد يقرأ بزاويتين مختلفتين تماما.

في هذا السياق، تظهر حرب السرديات كأداة استراتيجية موازية للحرب التقليدية. فبدل السيطرة على الأرض فقط، يسعى كل طرف إلى السيطرة على العقول. إنها معركة الوعي حيث يتم توجيه الرأي العام العالمي والتأثير على مواقف الدول، بل وحتى تبرير أي تصعيد عسكري محتمل.

لكن ما يثير القلق هو أن هذه الحرب الرمزية قد تكون أخطر من المواجهة المباشرة، لأنها تطبع الصراع وتجعله دائما في حالة اشتعال نفسي وإعلامي. فحين يقتنع الجمهور بأن الحرب حتمية تصبح مجرد مسألة وقت، لا خيارا سياسيا.

في النهاية تكشف حرب السرديات بين واشنطن وطهران بمشاركة إسرائيل كطرف فاعل، أن العالم يعيش مرحلة جديدة من الصراع، حيث لم يعد السلاح وحده من يحسم المعارك، بل أيضا الرواية التي تروى. وبين الحقيقة والدعاية، يبقى المواطن البسيط هو المتلقي الأكثر تأثرا والأقل قدرة على التمييز.
إنها حرب بلا جبهات واضحة، لكنها حاضرة في كل شاشة وهاتف… حرب تبدأ بالكلمة، و تنتهي بما هو أخطر.




الاثنين 30 مارس 2026
في نفس الركن