بين السطور

جيل Z : هل سيعود الشباب المغاربة للعيش مع أسرهم؟


في الولايات المتحدة وفرنسا، يتزايد عدد الشباب العاملين الذين يعودون للإقامة في منزل الأسرة، بعدما أصبحت تكاليف السكن وغلاء المعيشة وهشاشة سوق العمل تحول دون قدرتهم على الاستقلال. أما في المغرب، فإن العيش مع الوالدين لم يكن يومًا ظاهرة استثنائية، لكنه قد يكتسب اليوم بُعدًا جديدًا، إذ لم يعد مرتبطًا فقط بالتقاليد الاجتماعية، بل بات يُفرض في كثير من الأحيان بفعل الضغوط الاقتصادية. فهل يمثل ذلك خيارًا عقلانيًا، أم أنه تراجع صامت عن الاستقلالية؟



بقلم : عدنان بنشقرون

منزل الأسرة... ملاذ في مواجهة غلاء المعيشة


من السهل تصور المشهد. شاب مغربي يحصل على أول وظيفة له في الدار البيضاء أو الرباط أو طنجة، ثم يبدأ في احتساب نفقاته الشهرية. وبعد خصم إيجار السكن، ومصاريف النقل، والفواتير، والاحتياجات اليومية، يكتشف أن راتبه بالكاد يكفي لتغطية هذه التكاليف.


أمام هذا الواقع، يختار كثيرون البقاء في منزل الأسرة، بينما يجد آخرون أنفسهم مضطرين للعودة إليه بعد تجربة استقلال لم تستطع الصمود أمام ارتفاع تكاليف العيش.


وتُعرف هذه الظاهرة في عدد من الدول باسم "جيل البوميرانغ"، أي الشباب الذين يعودون إلى بيت العائلة بعد مغادرته. ففي الولايات المتحدة، كان نحو 25.2 مليون شخص دون سن الخامسة والثلاثين يعيشون مع والديهم خلال سنة 2025، أي ما يعادل شابًا من كل ثلاثة تقريبًا. والمثير أن سبعة من كل عشرة من هؤلاء كانوا يزاولون عملاً، ما يعني أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بالبطالة، بل أيضًا بالفجوة المتزايدة بين الدخل وتكاليف السكن والمعيشة.


أما في فرنسا، فتشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (INSEE) إلى أن حوالي 10 في المائة من الشباب في سن السادسة والعشرين ما زالوا يقيمون مع أسرهم، ويعمل 64 في المائة منهم. كما تتحدث تقديرات أخرى عن نحو 1.3 مليون شخص يبلغون 25 سنة أو أكثر يعيشون في منازل آبائهم.

هل يسير المغرب في الاتجاه نفسه؟


قد يبدو أن المغرب يتجه نحو المسار ذاته، لكنه ينطلق من واقع مختلف. فمغادرة منزل الأسرة في سن مبكرة لم تكن يومًا قاعدة اجتماعية راسخة كما هو الحال في أوروبا الشمالية أو أمريكا الشمالية، إذ غالبًا ما يرتبط الانتقال إلى سكن مستقل بالزواج أو الدراسة أو الحصول على وظيفة في مدينة أخرى.


لكن الجديد يتمثل في احتمال عودة شباب سبق لهم الاستقلال إلى منزل الأسرة بسبب الصعوبات الاقتصادية، وليس بدافع الاختيار.

تضامن عائلي يحمي... لكنه قد يحد من الاستقلال


رغم ما يوفره السكن مع الأسرة من حماية، فإن الإقامة الطويلة في منزل الوالدين قد تؤخر بناء حياة مستقلة، سواء من حيث تأسيس أسرة أو تحمل المسؤوليات اليومية أو التنقل بحرية بحثًا عن فرص عمل أفضل.


وفي بعض الحالات، يجد الشاب نفسه يعود إلى موقع "الابن" داخل البيت، فتخضع مواعيده ونمط حياته وخياراته الشخصية لملاحظات الأسرة، بينما تتراجع مساحة الخصوصية.


وتزداد هذه الصعوبات عندما يكون السكن محدود المساحة. فوفقًا لإحصاء سنة 2024، يضم حوالي 372 ألف مسكن حضري في المغرب أكثر من أسرة واحدة، أي ما يمثل 6.3 في المائة من المساكن الحضرية المأهولة، وهو ما يعني أن أجيالًا متعددة قد تتقاسم المسكن نفسه بما يحمله ذلك من تحديات يومية.

سوق العمل يزيد الضغوط


لا تقتصر الأزمة على السكن، بل تمتد إلى سوق الشغل أيضًا. ففي سنة 2025 بلغ معدل البطالة 36.7 في المائة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، فيما وصل إلى 19.6 في المائة لدى حاملي الشهادات.


وبالنسبة لكثير من الشباب، يتأخر الحصول على أول وظيفة، أو تكون الأجور غير مستقرة أو غير كافية لاستئجار مسكن لائق في المدن الكبرى.

هل يعد البقاء مع الأسرة فشلًا؟


ليس بالضرورة. ففي مجتمع ما تزال فيه الروابط العائلية قوية، قد يشكل البقاء مع الوالدين قرارًا ماليًا حكيمًا، يسمح للشباب بادخار جزء من دخلهم، أو تمويل مشروع شخصي، أو المساهمة في مصاريف الأسرة، أو رعاية أحد الوالدين، أو تجاوز مرحلة مهنية صعبة دون الوقوع في الهشاشة.


لكن نجاح هذا الخيار يظل رهينًا بوجود هدف واضح. فإذا غابت خطة للادخار، أو المشاركة في نفقات المنزل، أو تحديد أفق زمني للاستقلال، فقد يتحول منزل الأسرة إلى محطة انتظار مفتوحة بدل أن يكون مرحلة انتقالية.

لا ينبغي أن تصبح الأسرة بديلًا عن سياسة السكن


الخطر الحقيقي يكمن في تحويل التضامن الأسري إلى الحل الدائم لمشكلات السكن والبطالة وارتفاع تكاليف المعيشة. فالآباء والأمهات لا يستطيعون إلى ما لا نهاية تحمل أعباء البطالة أو غلاء الإيجارات أو تأخر استقلال أبنائهم، خاصة أنهم يواجهون بدورهم التزامات مالية ومتطلبات صحية أو مسؤولية إعالة أفراد آخرين من الأسرة.


ورغم أن 69.4 في المائة من الأسر المغربية تمتلك مساكنها، وهو ما يوفر قدرًا من الأمان، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن الأجيال الجديدة قادرة على امتلاك مساكنها في المستقبل.

بين الحكمة الاقتصادية والحاجة إلى سياسات عمومية


قد يكون الرجوع إلى منزل الأسرة خيارًا ماليًا سليمًا، بل ويمكن أن يتحول إلى اتفاق عائلي متوازن يقوم على المساهمة في المصاريف، والادخار المنتظم، واحترام خصوصية الجميع، مع وضع موعد تقريبي للاستقلال.


لكن عندما يصبح حتى الشباب العاملون عاجزين عن توفير سكن مستقل، فإن المشكلة لم تعد مرتبطة بالنضج الشخصي أو بأسلوب الحياة، بل أصبحت مؤشرًا على تحديات أعمق تتعلق بالأجور، وفرص الشغل، وإمكانية الولوج إلى السكن.


لقد أثبتت الأسرة المغربية، عبر مختلف الأزمات، قدرتها على احتواء الصعوبات ودعم أبنائها. غير أن تحميلها وحدها مسؤولية معالجة هذه الاختلالات قد لا يكون حلًا مستدامًا، إذ يبقى تحقيق استقلال الشباب رهينًا بسياسات عمومية قادرة على توفير فرص العمل، وتحسين القدرة الشرائية، وضمان الولوج إلى سكن ملائم وبأسعار معقولة






الاثنين 27 يوليو/جويلية 2026
في نفس الركن