كتاب الرأي

ترامب اليسوع، البابا هدفًا، ماكدونالدز في البيت الأبيض، ومضيق هرمز على صفيح ساخن : ابحث عن الخطأ


خلال ثمانٍ وأربعين ساعة فقط، نجح دونالد ترامب في سلسلة متلاحقة لا تسمح بها إلا هذه المرحلة من الزمن: تقديم نفسه في صورة “مخلّص” زائف، مهاجمة البابا، تحويل توصيل وجبة من ماكدونالدز إلى حدث دعائي داخل البيت الأبيض، ثم ربط ذلك بتصعيد جديد حول مضيق هرمز. للوهلة الأولى يبدو كل شيء عبثيًا. لكن عند التدقيق، تتضح خيوط رابط غير مرئية. كل شيء، رغم التناقض الظاهر، يتحرك داخل منطق واحد.



بقلم : عدنان بنشقرون

اللغة السياسية بوصفها صدمة رمزية
 

الصدمة الأولى كانت رمزية بامتياز. فقد وجّه دونالد ترامب انتقادات حادة للبابا لاوُن الرابع عشر، في سابقة لافتة من حيث حدّة الخطاب الموجّه إلى رأس الكنيسة الكاثوليكية. في الوقت نفسه، تداول صورة له وهو محاط بهالة من الضوء، في وضعية تُحيل بوضوح إلى أيقونات دينية مرتبطة بالشفاء أو الخلاص. ثم عاد لينفي الدلالة البصرية، مبررًا الصورة بأنها تعود لطبيب. لكن الأثر السياسي كان قد تحقق بالفعل. فالصورة لم تكن مجرد “انظروا إليّ”، بل حملت رسالة أعمق: “أنا المركز، أنا السلطة القادرة على الخلاص، حتى في مواجهة سلطة روحية عابرة للحدود”.
 

البابا كقوة مضادة غير محتملة
 

لماذا استهداف البابا تحديدًا؟ لأن لاوُن الرابع عشر تحدث عن الحرب والسلام، وعن توظيف الخطاب الديني، وعن المسؤولية الأخلاقية في السياسة الدولية. أي أنه دخل مجالًا لا يحب ترامب أن يشاركه فيه أحد: مجال الشرعية الأخلاقية والسلطة الرمزية العالمية. في هذا التصور السياسي، لا يقبل القائد أن تنافسه سلطة أخرى، خصوصًا إذا كانت ذات بعد روحي وأخلاقي. لذلك، فإن الهجوم على البابا ليس انفعالًا عابرًا، بل محاولة لتقليص حضور مرجعية منافسة في فضاء المعنى.
 

ماكدونالدز :  الشعبوية في شكلها البصري
 

ثم تأتي لحظة ماكدونالدز. الرئيس يستدعي وجبات سريعة إلى البيت الأبيض أمام الكاميرات، في مشهد يبدو بسيطًا لكنه محمّل بالدلالات. الرسالة واضح ة: في الوقت الذي تنشغل فيه “النخبة” بالسياسة العالمية والأسواق والحروب، هو يتحدث بلغة المواطن العادي: الطعام، الإكراميات، الحياة اليومية. إنها شعبوية بصرية عالية الكثافة. الفكرة ليست في الواقعية، بل في الإحساس بالواقعية. فالمهم هنا ليس حقيقة المشهد، بل تأثيره العاطفي.
 

مضيق هرمز :  القوة كعرض بصري أخير
 

في الخلفية، يظهر ملف مضيق هرمز. تشير المعطيات إلى حديث عن “حصار” أو ضغط بحري في المنطقة، مع اختلاف بين الخطاب السياسي والتفاصيل العملياتية التي نقلتها بعض المصادر. الفارق بين الإعلان والتنفيذ ليس تفصيلًا ثانويًا، بل جزء من الأسلوب ذاته. يتم تضخيم الرسالة في البداية، ثم تُترك التفاصيل لتتكيف مع الواقع لاحقًا. وهكذا تتحول القوة إلى مشهد معلن أكثر من كونها إجراءً دقيقًا.
 

أين الخطأ؟

السؤال المركزي هنا : أين الخطأ في كل ذلك؟ الخطأ، إن وُجد، ليس في الأحداث نفسها، بل في طريقة قراءتها. فترامب لا يتصرف كرجل سياسة تقليدي يقع في تناقضات، بل كصانع سرديات يراكم الصور دون الحاجة إلى تنسيق منطقي صارم بينها. يمكنه أن يظهر كرمز شبه ديني، وأن يهاجم سلطة دينية، وأن يحتفل بالوجبات السريعة، وأن يلوّح بالقوة الجيوسياسية في الوقت نفسه، دون أن يشعر بضرورة بناء انسجام بينها.
 

منطق هذا الأسلوب ليس أيديولوجيًا ولا أخلاقيًا، بل درامي بالأساس. الهدف هو السيطرة على الانتباه، وإعادة تشكيل مركز النقاش الإعلامي، ثم دفع الآخرين إلى التفاعل مع الصور التي يصنعها. أما السياسات، فتأتي لاحقًا، إن جاءت أصلًا.
 

لذلك، فإن “الخطأ” الحقيقي لا يكمن فقط في المشهد، بل أيضًا في إصرار البعض على البحث عن منطق مؤسساتي تقليدي داخل سلوك تحكمه قبل كل شيء آلية التضخيم والصدمة. مع ترامب، لم يعد الاستثناء هو الأزمة… بل أصبح هو القاعدة
 





الخميس 16 أبريل 2026
في نفس الركن