كتاب الرأي

تأشيرة شنغن : كيف قامت أوروبا بخصخصة حدودها وحولت التنقل إلى نشاط تجاري


لفترة طويلة، كانت الحدود الأوروبية تستحضر القنصليات والدبلوماسيين والموظفين المكلفين بدراسة طلبات التأشيرة. اليوم، بالنسبة لملايين الراغبين في السفر، لم يعد الوجه الأول لأوروبا هو القنصلية، بل شركة خاصة.



بقلم : عدنان بنشقرون

تكشف تحقيقات دولية واسعة أجرتها مؤسسة Lighthouse Reports، بالتعاون مع عدد من وسائل الإعلام الأوروبية والدولية، آليات نظام واسع الانتشار وغير معروف لدى العموم: وهو الاعتماد الكبير على شركات خاصة لمعالجة طلبات التأشيرة، وعلى رأسها شركة VFS Global. هذه الشركة، الحاضرة في 168 دولة عبر أكثر من 4100 مركز، أصبحت فاعلاً أساسياً في حركة التنقل العالمية. ومنذ تأسيسها سنة 2001، تؤكد أنها عالجت أكثر من 542 مليون طلب ومعاملة مرتبطة بالتأشيرات.


في المغرب، هذا الواقع مألوف لمئات الآلاف من المواطنين. سواء تعلق الأمر بإيطاليا أو هولندا أو مالطا أو عدد من الدول الإسكندنافية ومنطقة شنغن، فإن المرور عبر شركة VFS أصبح غالباً إلزامياً قبل حتى الحصول على موعد قنصلي. بالنسبة للكثير من المغاربة، تبدأ أوروبا اليوم داخل قاعة انتظار خاصة.


في الأصل، كان الهدف من هذا النظام هو تخفيف الضغط على القنصليات وتقليل التكاليف الإدارية. وكانت الشركات المتخصصة مكلفة فقط بجمع الوثائق والبيانات البيومترية والرسوم قبل تحويلها إلى السلطات المختصة.


لكن، بحسب التحقيق، تطور النموذج الاقتصادي تدريجياً نحو منطق تجاري أكثر توسعاً. إذ لم تعد الإيرادات تأتي فقط من رسوم الخدمة التي تحددها الدول، بل أصبحت تشمل عدداً كبيراً من الخدمات الإضافية التي تقدم على أنها اختيارية: إشعارات عبر الرسائل القصيرة، خدمات التوصيل، رقمنة الوثائق، صالات VIP، المساعدة الشخصية، أو حتى جمع الملفات من المنازل.


بعض هذه الخدمات قد تصل تكلفتها إلى مئات، بل آلاف اليورو حسب الدول وملفات المتقدمين،الأرقام تكشف الكثير، فرغم أن حجم الملفات المعالجة لم يرتفع بشكل كبير في السنوات الأخيرة، فإن الأرباح التشغيلية للشركة تضاعفت عدة مرات. وهو نمو يبدو أنه مدفوع بشكل كبير ببيع خدمات إضافية.


المشكلة ليست اقتصادية فقط، بل تمس أيضاً إدراك طبيعة المسار نفسه، كثير من طالبي التأشيرة لا يميزون بين الشركة الوسيطة والسلطة القنصلية. وبالنسبة للمتقدم لأول مرة، يبدو الموظف خلف الشباك ممثلاً مباشراً للسفارة.


هذا الالتباس يخلق بيئة مناسبة لتسويق خدمات إضافية. وتشير شهادات موظفين سابقين وردت في التحقيق إلى وجود أهداف تجارية صارمة ونظام مكافآت مرتبط ببيع الخدمات الإضافية.


أصبح الوصول إلى الحدود مساراً لا يُعامل فيه المتقدم كمستخدم لخدمة عمومية فقط، بل كمستهلك يُعرض عليه بيع خدمات في لحظة يكون فيها في وضع إداري حساس.

في المغرب، يتخذ هذا الوضع بعداً خاصاً.


الصعوبة المزمنة في الحصول على مواعيد أدت إلى ظهور سوق موازية حقيقية. إذ يستخدم وسطاء أدوات آلية لحجز المواعيد المتاحة ثم إعادة بيعها بأسعار قد تتجاوز أحياناً تكلفة التأشيرة نفسها.


على مواقع التواصل الاجتماعي، تتزايد الشهادات. بعض المتقدمين يؤكدون أنهم دفعوا آلاف الدراهم للحصول على موعد يفترض أن يكون مجانياً. كما نظمت احتجاجات أمام بعض القنصليات للتنديد بهذا الوضع.


المفارقة لافتة : في الوقت الذي يفترض فيه أن تكون الإجراءات رقمية وشفافة، فإنها تنتج أنشطة غير رسمية مربحة للغاية.


رقم آخر يثير التساؤل، كل سنة يتم تحصيل ملايين اليورو كرسوم تأشيرة، حتى في حالات رفض الطلبات. هذه المبالغ لا تُسترجع للمتقدمين، بالنسبة للعديد من الأسر المغربية، تقديم ملف تأشيرة يمثل بالفعل عبئاً مالياً كبيراً. وعند الرفض دون تعويض، يتعزز الشعور بالظلم.


هذا الواقع يفتح نقاشاً متزايد : هل نظام التأشيرات يهدف فقط إلى ضبط الهجرة، أم أصبح أيضاً مصدر دخل بنيوي؟


إلى جانب الجوانب المالية، يطرح الموضوع سؤالاً أعمق يتعلق بالمساواة في حرية التنقل، فالمواطن الأوروبي يستطيع السفر إلى عدد كبير من دول العالم دون تأشيرة مسبقة، بينما يحتاج المواطن المغربي إلى تقديم وثائق مالية ومهنية وعائلية مفصلة قبل الحصول على الرد، هذا الفرق لا يرتبط بالأشخاص، بل بجواز السفر.


لذلك، ينظر عدد متزايد من الباحثين إلى التنقل الدولي باعتباره أحد أكبر أشكال عدم المساواة في العالم المعاصر. ففي عالم معولم حيث تتحرك السلع ورؤوس الأموال والبيانات بحرية، لا يتمتع الأفراد بنفس حرية التنقل.


وغالباً ما تدافع الاتحاد الأوروبي عن قيم الحرية والانفتاح والتنقل. لكن إدارة التأشيرات عبر شركات خاصة تكشف واقعاً مختلفاً، حيث أصبحت العملية تعتمد على وسطاء ذوي مصالح اقتصادية قد لا تتوافق دائماً مع مبادئ الشفافية والعدالة.


أمام الانتقادات المتزايدة، بدأت بعض المؤسسات الأوروبية تطرح تساؤلات حول هذه المنظومة. وتم إطلاق عمليات تدقيق وتقارير برلمانية وتحقيقات رسمية.


لكن السؤال الأساسي يبقى : كيف يمكن مراقبة شركات أصبحت جزءاً أساسياً من عمل النظام نفسه؟


فخلف النماذج والوثائق والمواعيد والرسوم، تظهر حقيقة واضحة : الحدود الأوروبية لم تعد فقط سياسية أو قانونية، بل أصبحت أيضاً اقتصادية وتجارية.

وربما هنا يكمن أكبر تحوّل : لم يعد الوصول إلى التنقل الدولي مجرد قضية سيادة، بل أصبح سوقاً قائماً بذاته





الاثنين 1 يونيو/جوان 2026
في نفس الركن