كتاب الرأي

بين الطموح والإهمال: المرأة المغربية تدفع ثمن الحرية الوهمية


من الضروري، منذ البداية، توضيح موقف لا لبس فيه: هذا المقال ليس ضد المرأة العاملة، ولا ضد طموحها، ولا ضد حقها الكامل في الاستقلال الاقتصادي وتحقيق ذاتها. بل على العكس، هو دفاع عن المرأة من خطاب زائف يقنعها بأن الإهمال الأسري والتعنت العاطفي هما دليل القوة، وبأن التضحية بالأسرة والأبناء ثمن طبيعي للنجاح والحرية.



في المغرب، كما في باقي المجتمعات، شهدنا تحولات عميقة في وضعية المرأة داخل سوق الشغل. هذه التحولات في جوهرها إيجابية ومطلوبة، غير أن الخلل يكمن في الطريقة التي تم بها تسويق مفهوم “المرأة القوية” داخل منطق السوق المتغول، حيث لم تعد القوة تعني التوازن والوعي، بل أصبحت تعني الصدام، القطيعة، ورفض كل ما له علاقة بالأسرة بدعوى التقدم.

حين يتحول الطموح إلى تعنت:

الطموح حق مشروع، والعمل كرامة. لكن الإشكال يبدأ حين تتحول “القوة” إلى تعنت أعمى، وحين تقدم القسوة العاطفية على أنها استقلال، والإهمال على أنه تحرر. في هذا السياق، تربى بعض النساء عن وعي أو بدونه على فكرة مفادها أن الاهتمام بالأسرة ضعف، وأن الإصغاء للزوج تنازل، وأن الحضور في حياة الأبناء عرقلة لمسار مهني يجب أن يكون أولوية مطلقة.

هذا الخطاب لا يخدم المرأة، بل يستنزفها نفسيا، ويضعها في صراع دائم بين صورتين: صورة المرأة “الناجحة” في العمل، وصورة الأم والزوجة الغائبة داخل بيتها. والأسوأ من ذلك، أنه يشرعن الغياب ويحوله إلى خيار أخلاقي مقبول.

الأبناء… الضحية التي لا صوت لها:

في خضم هذا الصراع، غالبا ما ينسى الطرف الأضعف: الأطفال. أبناء يتركون لساعات طويلة، يعوض الغياب بالمال أو الأجهزة الذكية، ويختزل دور الأم في توفير الحاجيات المادية فقط. يكبر هؤلاء الأطفال وهم يفتقدون للأمان العاطفي، للحوار، وللنمو السليم داخل أسرة متوازنة.

النتيجة؟ جيل يعاني من اضطرابات نفسية، ضعف في الثقة، صعوبة في بناء العلاقات، وتمرد صامت على مؤسسة الأسرة. وهنا يجب أن نكون صريحين: ليس كل مشكل نفسي سببه الفقر أو الأب الغائب، بل أحيانا أم حاضرة جسديا، غائبة عاطفيا، اختارت العمل على حساب كل شيء، دون أي محاولة للتوازن.

المرأة ليست مطالبة بأن تكون نسخة متوحشة من الرجل:

.من أخطر ما أنتجه منطق السوق المتغوّل هو دفع المرأة إلى استنساخ أسوأ ما في النموذج الذكوري المتطرف: القسوة، الأنانية، واحتقار العاطفة. وكأن الطريق إلى القوة يمر حتما عبر التخلي عن إنسانيتها.

المرأة القوية ليست تلك التي تهدم أسرتها لتنجح، بل تلك التي تفرض شروط النجاح دون أن تدمر بيتها. ليست تلك التي ترفع شعار “أنا حرة أفعل ما أشاء” دون وعي بالعواقب، بل التي تدرك أن الحرية مسؤولية، وأن الأبناء ليسوا مشروعا مؤجلا ولا هامشا في الحياة.

العمل لا يبرر الإهمال:

نعم، المرأة المغربية تعمل في ظروف صعبة، وتواجه ضغوطا كبيرة، لكن هذا لا يمنح شرعية للإهمال الأسري ولا لتبرير القطيعة العاطفية. كما أن تحميل الرجل وحده مسؤولية الأسرة خطاب غير منصف، لكنه لا يبرر في المقابل انسحاب المرأة الكامل من دورها التربوي والإنساني.
القضية ليست صراع أدوار، بل غياب وعي. وعي بأن الأسرة ليست عدوا للنجاح، وأن الأبناء ليسوا عبئا، وأن التوازن ليس ضعفا بل ذكاء اجتماعي.

نحو قوة حقيقية لا مزيفة:

نحتاج اليوم إلى إعادة تعريف “المرأة القوية” بعيدًا عن الشعارات المستوردة. امرأة قوية بوعيها، بحضورها، بقدرتها على الجمع بين الطموح والمسؤولية، لا امرأة تُصفق لها السوق لأنها تفرغ وقتها بالكامل للإنتاج وتترك خلفها بيتًا مكسورًا.

هذا المقال ليس دعوة لعودة المرأة إلى البيت، ولا إنكارا لإنجازاتها، بل صرخة نقدية ضد خطاب يخدعها باسم الحرية، ويدفعها دون أن تشعر للمساهمة في تفكيك الأسرة وصناعة جيل مثقل بالعقد النفسية.
القوة الحقيقية لا تقاس بعدد ساعات العمل، بل بقدرتنا على تربية أبناء أسوياء داخل بيوت مستقرة، لأن مجتمعا بلا أسرة متوازنة… مجتمع بلا مستقبل.





الاثنين 26 يناير 2026
في نفس الركن