الأرقام الرسمية لوزارة الفلاحة تشير إلى وفرة كبيرة في القطيع الوطني : حوالي 32.8 مليون رأس، ما يفترض أن يتيح استقرار الأسعار وقدرة جميع الأسر على أداء شعيرة الأضحى دون ضغوط اقتصادية.
لكن الواقع الميداني يكشف تناقضا صارخا : يتوقع أن تصل أسعار الأضاحي بين 3000 و4000 درهم، وقد تصل في بعض الحالات إلى 12 ألف درهم، بينما يتوقع أن تصل تكلفة شراء وتربية الخروف الصغير إلى 3500 درهم، بفعل ارتفاع أسعار الأعلاف والمواد المرتبطة بالتربية، وتداعيات سنوات الجفاف السابقة. هذا الواقع يعكس أن الوفرة التتي تتحدث عنها الحكومة لا تصل تداعيتها إلى المواطن البسيط، وأن الدعم الحكومي لم يترجم بعد إلى حماية فعلية للقدرة الشرائية.
المضاربة تمثل أحد الأسباب الرئيسة للغلاء، وتعمل كعدو خفي يحرق جيوب المواطنين. "الشناقة" يحتكرون القطيع، يرفعون الأسعار ، ويستغلون كل فرصة موسمية لمضاعفة أرباحهم، في وقت يفترض أن تكون الشعيرة الدينية مناسبة للسكينة والتقوى. حتى مع وفرة المعروض، يظل المواطن أسيراً لسلسلة المضاربة، إذ كل زيادة في الطلب قبل العيد تتحول مباشرة إلى أسعار أعلى، وهو ما يفرض على الأسر دفع أكثر من طاقة ميزانيتها، خصوصاً بعد تكاليف رمضان.
ارتفاع أسعار المواد الأساسية الأخرى يفاقم الأزمة أكثر : الخضر والفواكه شهدت زيادات غير مسبوقة خلال الأشهر الأخيرة ولازالت مستمرة لحد الساعة، حيث يصل سعر الكيلوغرام من البطاطس إلى حوالي 15–18 درهماً، والطماطم إلى 12–20 درهماً، والفلفل الحلو إلى 20–25 درهماً، والبصل إلى 10–15 درهماً، بينما الفواكه مثل التفاح والبرتقال تتراوح بين 15 و30 درهماً للكيلو، حسب النوع والجودة
اللحوم الحمراء لم تعد في متناول الجميع، فالأسعار الحالية للحوم الأبقار تصل إلى 120 درهم بينما لحوم الأغنام تصل ل 130 درهماً للكيلوغرام، وتعكس تكلفة الأعلاف والمجهود الكبير الذي بذله الفلاحون خلال سنوات الجفاف، لكنها تتضاعف بفعل الشناقة في الأسواق المفتوحة. ارتفاع المحروقات أضاف بعداً آخر للتكلفة اليومية، حيث تضاعفت تكلفة النقل، وهو ما ينعكس على كل سلعة تصل إلى الأسواق، لتصبح الأسر المغربية أمام حلقة متصلة من الغلاء المتسارع.
وبالتالي فالدعم الحكومي، رغم أهميته، يظل ناقص الفاعلية إذا لم يصحبه تفعيل صارم للمراقبة وإجراءات ضد الشناقة. إعادة هيكلة القطاع الوطني وتعبئة الإمكانيات المالية كانت خطوات مهمة، لكن المواطن لم يشعر بعد بتحولها إلى واقع ملموس. التحدي الأكبر هو تحويل هذه الوفرة إلى استقرار فعلي في الأسعار، وضمان أن الدعم الحكومي سيقطع الطريق على كل من يسعى لاستغلال موسم العيد لتحقيق أرباح فاحشة على حساب المواطن.
هناك من يقوم بشراء الأضحية مباشرة من الضيعات لتوفير بعض الأمان والشفافية، حيث يمكن للمواطن الاطمئنان على مصدر الحيوان وظروف تربيته، لكن تأثير هذا الخيار يبقى محدوداً إذا لم تُعزز السياسات العامة بالرقابة الصارمة والحد من المضاربة. المواطن المغربي، الذي تحمل أعباء رمضان، يجد نفسه الآن أمام تجربة جديدة، كل شيء مرتبط ببعضه : ارتفاع أسعار الخضر والفواكه واللحوم والأضاحي والمحروقات، كلها عوامل تضغط على ميزانية الأسرة بشكل متتالي ومتسارع.
يبدو أن عيد الأضحى هذا العام سيبرز هشاشة القدرة الشرائية بشكل صارخ، ويضع في مواجهة المواطن واقعاً اقتصادياً صارماً، حيث تتحول شعيرة دينية يفترض أن تكون مناسبة للسكينة والتقوى، إلى اختبار يومي لقدرة الأسر على التكيف مع موجة الغلاء المستمرة. الحكومة مطالبة بتحريك لجان المراقبة، وضمان تطبيق الدعم بشكل فعلي، وفرض ضبط الأسواق، وإلا فإن المواطن سيظل أسيراً بين تناقض الأرقام الرسمية وشجع الشناقة في الواقع، في حلقة متكررة من الاحتقان المالي والضغط المستمر على العائلات المغربية