بقلم : عدنان بنشقرون
ومع احتدام التحضيرات الانتخابية، تنكب الأحزاب على إعداد البرامج وصياغة الشعارات وتنظيم اللقاءات وإطلاق الحملات الرقمية. غير أن خلف هذه الدينامية، يطرح سؤال جوهري : ماذا لو كانت طريقة مخاطبة الناخبين أكثر دلالة على النضج السياسي من كل أدوات التواصل؟ ففي السياسة أيضاً، هناك خطاب يهدئ وآخر يستفز، خطاب يجمع وآخر يُقصي. وفي سياق ما تزال فيه الثقة في الفاعل الحزبي محدودة، لم يعد الأسلوب تفصيلاً، بل صار اختباراً حقيقياً للمصداقية.
نلاحظ جميعاً نماذج لفاعلين سياسيين يعمّقون التوتر بدل احتوائه، بسبب نبرة التعالي أو الحدة أو الاستفزاز. وفي المقابل، قد تُحدث عبارة بسيطة، تُقال بهدوء، تحولاً كاملاً في مناخ النقاش، ليس لأنها لافتة، بل لأنها تعترف بالآخر بدل إلغائه. ما يُعرف في علم النفس بالذكاء العاطفي يمكن أن يتحول في السياسة إلى ذكاء تواصلي، يقوم على فهم الغضب الاجتماعي، والإنصات للانشغالات، والرد باحترام، والإقناع دون استعلاء.
لم يعد المغرب في 2026 فضاءً يقبل الخطاب العمودي التقليدي. فالمواطنون، وخاصة الشباب، باتوا أكثر تدقيقاً في المواقف، وأكثر قدرة على تفكيك الخطابات، وأسرع في رصد التناقضات ومعاقبة الهفوات. لم تعد الإشكالية في كثرة الكلام، بل في دقته وصدقيته. لأن المسؤول الذي يعجز عن استيعاب القلق الاجتماعي أو الاعتراف بالاختلالات أو إدارة الاختلاف برصانة، يكشف عن محدودية في فهم العلاقة مع المجتمع.
وإذا استحضرنا بعض آليات التحليل النفسي في المجال السياسي، تبرز مجموعة من العبارات الدالة. أوله ا: “لقد سمعنا غضبكم”. تبدو جملة بسيطة، لكنها في العمق تعكس تحولاً مهماً، لأنها تفترض عدم مواجهة الانتقاد بالإنكار أو الهجوم. فالاعتراف بالغضب لا يعني الانصياع له، بل يعني التعامل معه بجدية واحترام.
أما العبارة الثانية : “في هذا الجانب، أخطأنا وعلينا التصحيح”، فهي تعكس جرأة الاعتراف بالخطأ. وفي حين يُنظر إلى ذلك داخل بعض الأوساط الحزبية كعلامة ضعف، فإنه في الواقع يعزز الثقة، لأن الناخب لم يعد يتقبل الخطابات المبالغ فيها، بل يبحث عن قدر من الوضوح والواقعية.
العبارة الثالثة : “ندرك أنكم لم تعودوا تثقون بنا تلقائياً”، تعكس بدورها نضجاً سياسياً، إذ تُقر بأن الثقة لم تعد معطى جاهزاً، بل مساراً يُبنى تدريجياً. فالمواطن اليوم لا يقبل أن يُفترض ولاؤه، بل ينتظر ما يقنعه بالفعل.
أما العبارة الرابعة : “قد نختلف، لكن من حقكم أن تقلقوا”، فهي تجسد روحاً ديمقراطية حقيقية، لأنها تفصل بين الاختلاف والعداء، وتعترف بشرعية المخاوف دون شيطنتها.
وتأتي العبارة الخامسة : “لا يمكننا أن نعد بكل شيء”، كأحد أكثر أشكال الصدق السياسي، رغم ما تحمله من كلفة انتخابية محتملة. فهي تعكس وعياً بحدود الإمكانات، وتبتعد عن منطق المزايدات الذي غالباً ما ينتهي بخيبات.
أما السادسة : “صوتكم ليس ملكاً لنا”، فتؤكد أن المواطن ليس مجرد رقم انتخابي، بل فاعل مستقل في اختياراته، وهو ما يعكس احتراماً أساسياً لإرادته.
وأخيراً، تبرز عبارة : “سيتم تقييمنا بما ننجزه لا بما نقوله”، وهي تعكس تحوّلاً عميقاً في معايير الحكم على الفعل السياسي، حيث لم تعد الوعود كافية، بل أصبحت الأفعال هي الفيصل.
في ضوء ذلك، لن تُحسم انتخابات 2026 فقط عبر البرامج أو التحالفات، بل أيضاً من خلال طبيعة العلاقة التي سيقترحها الفاعلون السياسيون على المواطنين. فإما الاستمرار في نفس الأنماط الخطابية، أو الانخراط في خطاب أكثر تواضعاً وواقعية.
في النهاية، قد يكون الذكاء السياسي الحقيقي اليوم هو القدرة على احترام المواطن، لا محاولة الهيمنة عليه. فالمجتمع المغربي، بما يحمله من تطلعات وتحديات، لم يعد يقبل خطاب الوصاية، بل ينتظر لغة تعترف به كشريك كامل في العملية الديمقراطية.