الدكتور إدريس قريش
وفي هذا الإطار تندرج الحرب بين الولايات المتحدة وإيران ، كما هو شأن الحرب في أوكرانيا، باعتبارهما حلقتين مترابطتين في مسار دولي يعيد ترتيب أولوياته، ولكن بثمن باهظ جدا .
كما أكدت في مقال سابق ، فإن نقل مركز الإهتمام الدولي من الشرق الاوسط إلى اوكرانيا لم يكن مجرد تحول في الأولويات، بل خطأ استراتيجيا عميقا، إذ أدى الى إحداث فراغ في منطقة شديدة الحساسية ، استغلته ايران لتعزيز نفوذها وتوسيع مجال تحركاتها عبر حلفائها . ولم يكن السابع من اكتوبر إلا تجسيدا صريحا لهذا التحول ، وفتح الباب أمام سلسلة من التداعيات ألتي امتدت من مأساة غزة الى الحرب مع ايران .
غير ان هذه الحرب ، بخلاف الحروب التقليدية لم تكن تستهدف احتلال الأرض او فرض استسلام مباشر ، بل تسعى إلى إعادة ضبط السلوك الإقليمي الإيراني وتقليص هامش نفوذه دون الذهاب إلى حد إقصاءه الكامل من المعادلة. انها حرب لإعادة التموقع وليس الإقصاء.
وفي هذا السياق يكتسي مفهوم الهدنة في العلاقات الدولية دلالة تتجاوز معناها التقليدي كوقف إطلاق النار، ليصبح أداة سياسية واستراتيجية لإعادة ترتيب الأوراق وامتصاص الصدمات وتهيئة الأرضية لمراحل تفاوضية أكثر عمقا . فالهدنة لا تعني بالضرورة نهاية الحرب ولايمكن قراءتها كدليل على انتصار طرف وهزيمة آخر .
وفي خضم هذه الدينامية ، تبرز ظاهرة المفاوضات المباشرة في إسلام أباد بين الولايات المتحدة وإيران ولأول مرة بهذا المستوى منذ الثورة الايرانية سنة 1979 ، وهو تحول بالغ الدلالة ، ويعكس انتقالا في أسلوب التعامل مع الصراع . فقبول طهران الجلوس مع واشنطن ألتي طالما وصفتها "بالشيطان الكبير" يكشف عن سر غير معلن .
فإن ما يجري لا يندرج في منطق الإقصاء، بل في إطار إعادة التموضع حيث يعاد تعريف دور إيران من فاعل مبادر ومحرك إلى فاعل محكوم بقواعد جديدة من الردع والاحتواء . وهو تعبير عن مرحلة انتقالية تعاد فيها صياغة التوازنات .
إن القراءة الواضحة لهذه الحرب تكشف أن ما تحقق يتجاوز بكثير ما تم الإعلان عنه ، فلم يكن الهدف إنهاء الدور الإيراني بشكل كلي ، بقدر ما كان السعي إلى إعادة الحد من امتداداته الإقليمية، مما يحوله من فاعل مبادر ومؤثر الى فاعل تحت رقابة احتواءية مهيكلة، مع الإبقاء عليها كعنصر توظيف ضمن توازنات الصراع . حيث يعاد توجيه دورها بما يخدم ضبط الإيقاع الإقليمي. فتواجد إيران ، وان تم تقليص حجمه ، يظل أداة لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية، خاصة في ما يتصل بمسار التطبيع مع اسرائيل، إذ يمكن توظيف هذا الحضور كعامل ضغط للحد من تجدد الحرب الشاملة .
وهو احتمال يظل واردا بقوة بالنظر إلى الوضعية ألتي توجد عليها إيران في خضم هذه الحرب ، حيث تجد نفسها مضطرة للتكيف مع ضغوط عسكرية واقتصادية وسياسية بما يحد من قدرتها على المبادرة ويدفعها للقبول بأدوار ضمن حسابات اخرى.
ويضاف إلى ذلك لجوء النظام الإيراني إلى تشديد التحكم في الفضاء المعلوماتي وحجب الانترنت، وهو ما يعكس حرص النظام على ضبط المعلومة على الرأي العام بما ينسجم مع متطلبات المرحلة وحساسية موقعها في معادلة الصراع.
وبغض النظر عن مآلات المفاوضات ، يبدو أن مسار احتواء إيران قد تجاوز مرحلة الاحتمال ليصبح خيارا استراتيجيا قاءما بذاته ، تحكمه حسابات دولية وإقليمية شبه محسومة وفي مقدمتها تسارع وتيرة التطبيع حنى يشمل وقف الحرب على ايران وحلفائها.
وفي هذا السياق تتحول المفاوضات من أداة لحل الأزمة إلى آلية لإدارة هذا الاحتواء.
غير أن التأثير الأعمق لهذه التحولات لم يقتصر على طرفي الصراع ، بل امتد ليطال بنية النظام الدولي نفسه . فإذا كانت حرب اوكرانيا قد أضعفت الإتحاد الأوروبي اقتصاديا بفعل أزمات الطاقة والتضخم وتكاليف الدعم ، فإن الحرب الإيرانية جاءت لتعمق هذا الضعف عبر تقليص حضوره الجيوسياسي والجيواسترتيجي .
فقد بدا الاتحاد الاوروبي عاجزا عن لعب دور ما سواء في احتواء التصعيد او في فرض مبادرات مستقلة .
المفارقة ان الإتحاد الأوروبي الذي كان يفترض ان يتحول الى قطب موازن داخل النظام الدولي ، وجد نفسه في موقع المتلقي للتداعيات ، أكثر من كونه صانعا لها . وهو ما يطرح سؤالا جوهريا حول مستقبل دوره وقدرته على استعادة استقلاليته الاستراتيجية في عالم يتجه بسرعة نحو إعادة توزيع مراكز القوة . خصوصا ان الإتحاد الأوروبي وحلفاء الناتو عبروا عن تحفظ واضح إزاء الانخراط المباشر في الصراع ، وهو ما كشف عن تراجع في تماسك التحالف الغربي .
هذا التراجع الأوروبي المصحوب بتردد أطراف داخل الحلف الأطلسي، فتح المجال أمام روسيا والصين لاعادة التموقع وتعزيز نفوذهما وموقعهما في معادلة التوازن الدولي .
ومن هنا يمكن فهم هذه الحروب ليس فقط كصراعات منفصلة ، بل كجزء من عملية أوسع لإعادة تشكيل النظام الدولي ، حيث تتراجع أحادية القطب وتتصاعد ملامح التعددية .
وفي المقابل يبرز في فضاءنا نمط من التفاعل يغلب عليه البعد العاطفي في قراءة الأحداث، حيث يختزل المشهد في ثناءية نصر او هزيمة بمعايير عاطفية أكثر منها واقعية .
فالهتاف بانتصارات مطلقة لأي طرف لايعكس بالضرورة حقيقة موازين القوى . وفي هذا الإطار يلاحظ ان البعض يحتفي بانتصار إيراني، وهو احتفاء لا يستند من قراءة موضوعية ، بقدر ما تحكمه اعتبارات ذاتية عاطفية او قصور في الوعي البنيوي بطبيعة العلاقات الدولية. فالنتائج تقاس بمدى تحقيق الأهداف الاستراتيجية لا بمجرد القدرة على الصمود او تسجيل مواقف ظرفية .
لم تكن الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران نهاية الصراع ، بل عنوانا لمرحلة انتقالية ضمن مسار طويل من إعادة رسم الخرائط، كما ان الخطأ لم يكن فقط في نقل مركز الإهتمام الدولي إلى أوكرانيا، بل في سوء تقدير تداعيات هذا التحول وترك فراغ استراتيجي في منطقة لاتقبل الفراغ .
إننا أمام عالم جديد ، لا تحسم فيه الحروب بإعلان النصر ، بل تدار فيه الصراعات بمنطق استنزاف الخصوم وإعادة تشكيل توازنات دقيقة ضمن مسار يتجه نحو إعادة تشكيل النظام الدولي الجديد .
كما أكدت في مقال سابق ، فإن نقل مركز الإهتمام الدولي من الشرق الاوسط إلى اوكرانيا لم يكن مجرد تحول في الأولويات، بل خطأ استراتيجيا عميقا، إذ أدى الى إحداث فراغ في منطقة شديدة الحساسية ، استغلته ايران لتعزيز نفوذها وتوسيع مجال تحركاتها عبر حلفائها . ولم يكن السابع من اكتوبر إلا تجسيدا صريحا لهذا التحول ، وفتح الباب أمام سلسلة من التداعيات ألتي امتدت من مأساة غزة الى الحرب مع ايران .
غير ان هذه الحرب ، بخلاف الحروب التقليدية لم تكن تستهدف احتلال الأرض او فرض استسلام مباشر ، بل تسعى إلى إعادة ضبط السلوك الإقليمي الإيراني وتقليص هامش نفوذه دون الذهاب إلى حد إقصاءه الكامل من المعادلة. انها حرب لإعادة التموقع وليس الإقصاء.
وفي هذا السياق يكتسي مفهوم الهدنة في العلاقات الدولية دلالة تتجاوز معناها التقليدي كوقف إطلاق النار، ليصبح أداة سياسية واستراتيجية لإعادة ترتيب الأوراق وامتصاص الصدمات وتهيئة الأرضية لمراحل تفاوضية أكثر عمقا . فالهدنة لا تعني بالضرورة نهاية الحرب ولايمكن قراءتها كدليل على انتصار طرف وهزيمة آخر .
وفي خضم هذه الدينامية ، تبرز ظاهرة المفاوضات المباشرة في إسلام أباد بين الولايات المتحدة وإيران ولأول مرة بهذا المستوى منذ الثورة الايرانية سنة 1979 ، وهو تحول بالغ الدلالة ، ويعكس انتقالا في أسلوب التعامل مع الصراع . فقبول طهران الجلوس مع واشنطن ألتي طالما وصفتها "بالشيطان الكبير" يكشف عن سر غير معلن .
فإن ما يجري لا يندرج في منطق الإقصاء، بل في إطار إعادة التموضع حيث يعاد تعريف دور إيران من فاعل مبادر ومحرك إلى فاعل محكوم بقواعد جديدة من الردع والاحتواء . وهو تعبير عن مرحلة انتقالية تعاد فيها صياغة التوازنات .
إن القراءة الواضحة لهذه الحرب تكشف أن ما تحقق يتجاوز بكثير ما تم الإعلان عنه ، فلم يكن الهدف إنهاء الدور الإيراني بشكل كلي ، بقدر ما كان السعي إلى إعادة الحد من امتداداته الإقليمية، مما يحوله من فاعل مبادر ومؤثر الى فاعل تحت رقابة احتواءية مهيكلة، مع الإبقاء عليها كعنصر توظيف ضمن توازنات الصراع . حيث يعاد توجيه دورها بما يخدم ضبط الإيقاع الإقليمي. فتواجد إيران ، وان تم تقليص حجمه ، يظل أداة لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية، خاصة في ما يتصل بمسار التطبيع مع اسرائيل، إذ يمكن توظيف هذا الحضور كعامل ضغط للحد من تجدد الحرب الشاملة .
وهو احتمال يظل واردا بقوة بالنظر إلى الوضعية ألتي توجد عليها إيران في خضم هذه الحرب ، حيث تجد نفسها مضطرة للتكيف مع ضغوط عسكرية واقتصادية وسياسية بما يحد من قدرتها على المبادرة ويدفعها للقبول بأدوار ضمن حسابات اخرى.
ويضاف إلى ذلك لجوء النظام الإيراني إلى تشديد التحكم في الفضاء المعلوماتي وحجب الانترنت، وهو ما يعكس حرص النظام على ضبط المعلومة على الرأي العام بما ينسجم مع متطلبات المرحلة وحساسية موقعها في معادلة الصراع.
وبغض النظر عن مآلات المفاوضات ، يبدو أن مسار احتواء إيران قد تجاوز مرحلة الاحتمال ليصبح خيارا استراتيجيا قاءما بذاته ، تحكمه حسابات دولية وإقليمية شبه محسومة وفي مقدمتها تسارع وتيرة التطبيع حنى يشمل وقف الحرب على ايران وحلفائها.
وفي هذا السياق تتحول المفاوضات من أداة لحل الأزمة إلى آلية لإدارة هذا الاحتواء.
غير أن التأثير الأعمق لهذه التحولات لم يقتصر على طرفي الصراع ، بل امتد ليطال بنية النظام الدولي نفسه . فإذا كانت حرب اوكرانيا قد أضعفت الإتحاد الأوروبي اقتصاديا بفعل أزمات الطاقة والتضخم وتكاليف الدعم ، فإن الحرب الإيرانية جاءت لتعمق هذا الضعف عبر تقليص حضوره الجيوسياسي والجيواسترتيجي .
فقد بدا الاتحاد الاوروبي عاجزا عن لعب دور ما سواء في احتواء التصعيد او في فرض مبادرات مستقلة .
المفارقة ان الإتحاد الأوروبي الذي كان يفترض ان يتحول الى قطب موازن داخل النظام الدولي ، وجد نفسه في موقع المتلقي للتداعيات ، أكثر من كونه صانعا لها . وهو ما يطرح سؤالا جوهريا حول مستقبل دوره وقدرته على استعادة استقلاليته الاستراتيجية في عالم يتجه بسرعة نحو إعادة توزيع مراكز القوة . خصوصا ان الإتحاد الأوروبي وحلفاء الناتو عبروا عن تحفظ واضح إزاء الانخراط المباشر في الصراع ، وهو ما كشف عن تراجع في تماسك التحالف الغربي .
هذا التراجع الأوروبي المصحوب بتردد أطراف داخل الحلف الأطلسي، فتح المجال أمام روسيا والصين لاعادة التموقع وتعزيز نفوذهما وموقعهما في معادلة التوازن الدولي .
ومن هنا يمكن فهم هذه الحروب ليس فقط كصراعات منفصلة ، بل كجزء من عملية أوسع لإعادة تشكيل النظام الدولي ، حيث تتراجع أحادية القطب وتتصاعد ملامح التعددية .
وفي المقابل يبرز في فضاءنا نمط من التفاعل يغلب عليه البعد العاطفي في قراءة الأحداث، حيث يختزل المشهد في ثناءية نصر او هزيمة بمعايير عاطفية أكثر منها واقعية .
فالهتاف بانتصارات مطلقة لأي طرف لايعكس بالضرورة حقيقة موازين القوى . وفي هذا الإطار يلاحظ ان البعض يحتفي بانتصار إيراني، وهو احتفاء لا يستند من قراءة موضوعية ، بقدر ما تحكمه اعتبارات ذاتية عاطفية او قصور في الوعي البنيوي بطبيعة العلاقات الدولية. فالنتائج تقاس بمدى تحقيق الأهداف الاستراتيجية لا بمجرد القدرة على الصمود او تسجيل مواقف ظرفية .
لم تكن الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران نهاية الصراع ، بل عنوانا لمرحلة انتقالية ضمن مسار طويل من إعادة رسم الخرائط، كما ان الخطأ لم يكن فقط في نقل مركز الإهتمام الدولي إلى أوكرانيا، بل في سوء تقدير تداعيات هذا التحول وترك فراغ استراتيجي في منطقة لاتقبل الفراغ .
إننا أمام عالم جديد ، لا تحسم فيه الحروب بإعلان النصر ، بل تدار فيه الصراعات بمنطق استنزاف الخصوم وإعادة تشكيل توازنات دقيقة ضمن مسار يتجه نحو إعادة تشكيل النظام الدولي الجديد .