باكستان ليست محايدة، لكنها مقبولة. وهذه هي قيمتها في هذه المرحلة. فهي تشترك مع إيران في نحو 900 كيلومتر من الحدود، ولها تاريخ دبلوماسي طويل، وروابط دينية، ومعرفة جيوسياسية لا يمكن للعديد من العواصم الادعاء بها. تمثل إسلام آباد مصالح معينة لإيران في واشنطن، لغياب السفارة الإيرانية في الولايات المتحدة. بالنسبة لطهران، هذا يغير كل شيء: التفاوض عبر باكستان لا يعني المرور عبر دولة تُنظر إليها كعدو أو تابعة للغرب، بل اختيار جارة تفهم قواعد الجمهورية الإسلامية دون أن تكون حليفة تلقائية لها.
لكن باكستان تحظى بالأهمية أيضاً لأنها ما تزال متصلة بواشنطن. وتبرز وكالة رويترز أن هذه الارتقاء الدبلوماسي يعود كثيراً إلى رئيس الجيش الباكستاني، عاصم منير، الذي أصبح خلال الأشهر الماضية طرفاً فاعلاً بالنسبة لدونالد ترامب. في مثل هذه الأزمات، لا تكفي العلاقات المؤسسية؛ فالقنوات الشخصية غالباً ما يكون لها وزن أكبر من التصريحات الرسمية. وقدمت إسلام آباد للأمريكيين أرضية نقاشية ليست مهينة ولا مكشوفة سياسياً بشكل مفرط، مكان يمكن فيه اختبار تخفيف التصعيد دون إعطاء الانطباع بالتراجع علنياً.
لماذا توافق إيران على هذا الإطار؟ لأنه يتيح لها الخروج من المواجهة العسكرية دون الظهور في موقع الاستسلام. ووفقاً لعدة مصادر، تصل طهران إلى إسلام آباد بخطة من عشر نقاط، لا تقتصر على وقف الضربات فحسب، بل تشمل العقوبات، والأصول المجمدة، والسيطرة على مضيق هرمز. بعبارة أخرى، تسعى إيران لتحويل فترة التوقف العسكري إلى تفاوض سياسي أوسع. ليس مجرد وقف لإطلاق النار، بل محاولة لتحويل المقاومة إلى أداة دبلوماسية. وفي هذا السياق، توفر إسلام آباد بيئة أفضل من جنيف أو أي عاصمة غربية.
أما “لماذا الآن” فهو مؤشر مهم أيضاً. فقد بدأت الحرب تكلف الجميع كثيراً. وكان النقطة الحرجة لا تزال مضيق هرمز، الممر الحيوي لتدفقات الطاقة العالمية. وتشير رويترز إلى أن الإعلان عن الهدنة جاء مع اقتراب موعد إعادة فتح المضيق جزئياً، بينما كانت أسواق النفط وسلاسل التوريد وعدة توازنات إقليمية تحت ضغط. عندما تهدد الحرب ليس الجيوش فحسب، بل الهيكلية الطاقية العالمية، تتغير الحسابات الاستراتيجية بسرعة. وتعود الدبلوماسية هنا ليس من منطلق المثالية، بل من منطلق الضرورة.
وبالنسبة لباكستان نفسها، تمثل هذه الوساطة أيضاً استثماراً سياسياً. فالبلاد تمر بضعف اقتصادي، وتعتمد على طرق الطاقة الإقليمية، وتسعى لاستعادة مكانة دولية أكثر تقديراً بعد فترة من التهميش. النجاح في ما لم تستطع عواصم أخرى تحقيقه، يعزز من مكانة إسلام آباد كقوة اتصال، مفيدة للأمريكيين والإيرانيين والعواصم الآسيوية الكبرى. وقد دعمت الصين بشكل خاص دور باكستان في تخفيف التوتر، مما يعزز مركزية إسلام آباد في هذه اللحظة.
مع ذلك، يجب التحفظ. هذه المرحلة لا تعني أن باكستان أصبحت الحكم في الشرق الأوسط. فهي تبرز بالدرجة الأولى أن قيمة أي دولة في زمن الحرب تُقاس بقدرتها على البقاء مقبولة لدى خصوم لا يلتقون أبداً. وجدت إسلام آباد نافذتها لأن واشنطن وطهران لم يتمكنا بعد من تحقيق انتصار واضح دون مخاطر أكبر. وبالتالي، يبدو أن باكستان أقل كمنقذ وأكثر كممر ضروري، وهذا بالضبط ما يضعها اليوم في قلب اللعبة.
كثف وزير الخارجية الباكستاني، إسحاق دار، المكالمات الهاتفية مع عدة وزراء خارجية إقليميين مساء الثلاثاء إلى الأربعاء، مع تداول إشارات تقارب بين واشنطن وطهران. وأفاد وزارة الخارجية الباكستانية أن هذه الاتصالات شملت على وجه الخصوص المغرب، والسعودية، ومصر، وتركيا.
إذا لم يكن المغرب من المحاور المباشرة لهذه الوساطة كما هو الحال مع باكستان أو مصر أو تركيا، فإن حضوره في هذه المرحلة الدبلوماسية ليس رمزياً فحسب. إنه يعكس المكانة المميزة التي يحتلها الرباط كطرف يُنظر إليه على أنه جدي، متوازن، وموثوق. وفي فترة توتر إقليمي حاد، يُعتبر الانخراط في مثل هذه المشاورات اعترافاً بالمصداقية السياسية والقدرة على الاستقرار التي تتجاوز دور المملكة المباشر في المفاوضات