كتاب الرأي

المغرب انتقل من زمن الإجهاد المائي إلى زمن الندرة الذي يهدد بشبح العطش


قال أستاذ الجيولوجيا والجيوفيزياء بجامعة سيدي محمد بن عبد الله عماد القاطي إن التوقعات تشير إلى أن مناخ المملكة المغربية سيصبح قاحلا أكثر بسبب ارتفاع درجات الحرارة و قلة التساقطات المطرية, ومن شأن هذا أن يؤثر سلبيا على الموارد المائية والتنوع البيولوجي وكذا على المشهد الفلاحي لبلد يرتكز بالأساس على المجال الفلاحي للنهوص بالاقتصاد المحلي, فخلال 70 سنة الأخيرة عرف المغرب عشرين موسم جفاف حاد.

وأضاف القاطي أن هناك تراجعا مخيفا لحقينة السدود، موضحا أن المغرب انتقل بالفعل من زمن العجز المائي إلى زمن الندرة، مما ينذر بأسوأ إنتاج زراعي في البلاد منذ عقود. بل و يهدد بشبح العطش. وفي حال عدم تسجيل تساقطات وأضاف القاطي أن هناك تراجعا مخيفا لحقينة السدود، موضحا أن المغرب انتقل بالفعل من زمن العجز المائي إلى زمن الندرة، مما ينذر بأسوأ إنتاج زراعي في البلاد منذ عقود. بل و يهدد بشبح العطش. وفي حال عدم تسجيل تساقطات، خلال الشهور المقبلة، فإن الحكومة ستكون مضطرة إلى مراجعة توقعاتها بشأن معدل النمو



عماد القاطي: أستاذ الجيولوجيا والجيوفيزياء بجامعة سيدي محمد بن عبد الله

التغيرات المناخية موضوع الساعة، ليس على مستوى الوطني، بل على المستوى العالمي، بصفتكم خبيرا في هذا المجال، ما هي العوامل الطبيعية التي أدت إلى هذه التغيرات، وهل هناك أسباب ترجع بصفة مباشرة إلى الممارسات الإنسانية خاصة في مجال الصناعة واستهلاك الطاقة مثلا، أم أن الأمر يقتصر على تفاعلات بين مكونات الطبيعة ذاتها فقط؟
 
يُقصد بتغير المناخ تلك التحولات طويلة الأمد التي تؤثر على درجات الحرارة وأنماط الطقس. ولطالما كانت هذه  التحولات طبيعية بالدرجة الأولى ارتباطاً بحركة الأرض و نشاط الشمس بل إن الحركات التكتونية و ماينتج عنه من انفجارات بركانية كان لها يد في هذه التحولات بسبب الغازات المنبعثة من باطن الأرض. لكن و منذ القرن الماضي، ساهمت الأنشطة البشرية بشكل كبير في تسريع وتيرة هذه التحولات ، ويرجع ذلك أساسًا إلى استغلال الوقود الأحفوري بشكلٍ مفرط, و المقصود هنا بالوقود الأحفوري الفحم والنفط والغاز، إذ يمثل أكثر من 75 في المائة من انبعاثات غازات الدفيئة العالمية وحوالي 90 في المائة من جميع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. تواجدهاته الغازات في الغلاف الجوي للأرض يؤدي إلى ما يُسمى بالاحتباس الحراري. حيث ترتفع درجة حرارة العالم  بشكل أسرع . ومع مرور الوقت، ينتج عنها تَغيُّرات في أنماط الطقس واضطرابات في توازن الطبيعة المعتاد.
 
 
أ تعتقدون أن هذه التغيرات المناخية ستأثر على المناخ بالمملكة المغربية إلى درجة أن الكثير من الخبراء يروجون أن المغرب سيعيش فترات جفاف مؤرقة، تقل فيها التساقطات، وترتفع الحرارة إلى درجة غير مسبوقة. إلى أي حد تبقى هذه التخمينات صحيحة؟
 
بالتأكيد،لايوجد أي بلد غير مهدد بالعواقب الناتجة عن التغيرات المناخية، والمغرب ليس بمنأى عن هذه الظاهرة كباقي الدول.  و في هذا الإطار، تشير التوقعات إلى أن مناخ المملكة  سيصبح قاحلا أكثر بسبب ارتفاع درجات الحرارة و قلة التساقطات المطرية, ومن شأن هذا  أن يؤثر سلبيا على الموارد المائية والتنوع البيولوجي وكذا على المشهد الفلاحي لبلد يرتكز بالأساس على المجال الفلاحي للنهوص بالاقتصاد المحلي, فخلال 70  سنة الأخيرة عرف المغرب عشرين موسم جفاف حاد.
 
 
 
شهد المغرب خلال السبعين سنة الأخيرة عشرين موسم جفاف، كيف تقرأون هذا المؤشر؟
 
بالتأكيد هو شيئ مُقلق للغاية قد لايعيه المواطن بشكل مباشر في الوقت الحالي، لكن أؤكد أن سكان البوادي يلمسون هذا التحول بكيفية مباشرة، ربما كانت سياسة السدود التي انتهجها المغرب منذ فجر الاسقلال بمثابة الشجرة التي تخفي الغابة إذ ساهمت بشكل كبيير في الحد من آثر الجفاف و توفير القدر الكافي من حاجيات المواطن المائية، لكن هذا الحل لا يمكن بأي شكل أن يستمر في إخفاء الأزمة المائية،  فنسبة ملء السدود في المغرب التراجع مسجلة أرقاما متدنية بالمقارنة مع السنوات الفارطة.


كما أن  النقص في التساقطات المطرية،أفرز عن عجز في مختلف الأحواض المائية، في مقدمتها أحواض أم الربيع وملوية وتانسيفت. أمام هذه المعطيات المرعبة بات لزاماً التعامل بجدية مع المشاكل المرتبطة بالتغيرات المناخية و آثارها.
 
المغرب يعتمد حاليا استراتيجية من أجل التخفيف من آثار الجفاف، من بين مرتكزاتها، عقلنة استعمال مياه الري وكذلك توسيع المساحات المغروسة، والهدف من ذلك التخفيف من آثار الاحتباس الحراري، في نظركم يمكن الوصول إلى نتائج إيجابية بالارتكاز على هذين العاملين؟
 
بالفعل، للتخفيف من آثار التغيرات المناخية، و تداعياتها، قام المغرب برسم  استراتيجية الفلاحية مبنية محورين رئيسيين، وهما التكيف مع التغيرات المناخية والتخفيف من آثار الغازات المسببة للاحتباس الحراري. ويهدف هذا التكيف بالخصوص إلى التحكم بشكل اكبر في مياه السقي واستغلالها بفاعلية أكبر،كما تم توجيه تمويل المشاريع الفلاحية نحو توسيع المساحات المغروسة بالأشجار المثمرة بهدف الرفع من قدرات امتصاص الكربون والتخفيف من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
 

• الخبراء في المناخ يقرون بأن التغيرات المناخية لها سلبيات كما لها إيجابيات ومن هذه السلبيات الحرارة المرتفعة التي تعرقل مجموعة من الأنشطة وتجعل الحياة صعبة بفعل الضغط الحراري، الذي يولد ضغوطات متعددة تبدأ بالحاجة الماسة إلى الماء باعتباره مكونا أساسيا لحياة. ومن الإيجابيات ضبط سلوكات الإنسان والاحتراز في استعمال الطاقة. كيف تفسرون ذلك؟


في هذا الإطار يصعب الحديث عن إيجابيات، السلوكات الغير مسؤولة للإنسان تضبطها القوانين بالأساس. ما يحدث لكوكبنا هو استنزاف مفرط يؤدي لهلاك الكوكب بمن فيه.

هذ التحولات المناخية لا تمسّ الإنسان في قوته فحسب، إنما لا تأثير مباشر على الهواء المحيط بنا، والأوبئة و الأمراض التي باتت أكثر انتشاراً. و علاقة بسلوك الانسان، فلا يوجد أي ضمان لإستقرار السِلم الاجتماعي في ظل الصعوبات الإقتصادية ، الناتجة عن شُح الأمطار و ارتفاع حرارة الجو.


• نعود إلى تأثير التغيرات المناخية على المغرب، بحيث بدأت المملكة بالفعل تشعر بآثار ذلك التغير، حيث انخفض معدل النمو الاقتصادي إلى 1.5% سنة 2016 بسبب موجة جفاف حادة في 2015.

فإذا كان الاقتصاد المغربي قد ترنح تحت وطأة شح المطر لموسم واحد مما تسبب في رداءة المحصول، فكم سيكون حجم الخسائر التي سيتكبدها عندما تحل النوبات الجامحة من تغير المناخ مع ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض؟


يجب على الحكومات المتعاقبة التعامل مع موضوع التغيرات المناخية بمزيد من الجدية، بعيداً عن أي مزايدات سياسية أو شعبوية فالمعطيات مخيفة للغاية، هناك بالفعل تراجع مخيف لحقينة السدود،   لقد انتقل المغرب بالفعل من زمن العجز المائي إلى زمن الندرة، مما ينذر بأسوأ إنتاج زراعي في البلاد منذ عقود.  بل و يهدد بشبح العطش. وفي حال عدم تسجيل تساقطات، خلال الشهور المقبلة، فإن الحكومة ستكون مضطرة إلى مراجعة توقعاتها بشأن معدل النمو، إذ ينتظر أن يفقد الاقتصاد نقاط أكثر من نسبة النمو، حسب تقديرات خبراء اقتصاديين، ما يتجاوز 20 مليار درهم (أزيد من 2 مليار دولار).


• المغرب أطلق مخطط المغرب الأخضر، أو الاستراتيجية الخضراء لمواجهة الخطر الذي يمثله تغير المناخ. إنه مكسب ثلاثي يتضمن تأهيل البلاد للتكيف مع حقيقة تغير المناخ واتخاذ خطوات نحو تقليص آثاره على الناس والبيئة تزامنا مع خلق الفرص ودعم الفلاحين على تبني التقنيات الذكية مناخيا وزيادة إنتاجيتهم ومساعدتهم على توفير روابط أفضل مع الأسواق من أجل بضائعهم. هل ما يقوم به المغرب مقنع لتجاوز إكراهات التغيرات المناخية؟


مخطط المغرب الأخضر هو مشروع فلسفة فلاحية جديدة تم إطلاقها سنة 2008. الهدف منها إرساء استراتيجية تتبنّى الفعالية الاقتصادية والحفاظ على الموارد الطبيعية، من خلال اعتماد من أدوات لتكثيف الإنتاج حسب سلاسل الإنتاج وخصائص الضيعات الفلاحية ممّاساهم بشكل كبيرفي تغيير وجه الفلاحة المغربية. لكن يظل هذا المشروع رغم المجهوودات المبذولة موضوع نقاش كبير، إذ لا يبدو من السهل تغيير بعض العادات خوصاصا لدى الفلاحين الصغار الذي يعتمدون بالأساس على المزروعات المعيشية التي يضمنون بها قوتهم اليومي، أنه لضمان إرساء مخطط من الجيل الجديد يهدف إلى اعتماد نموذج فلاحي ذكي بأقل كلفة اقتصادية و بيئية، فيجب على هذا المخطط مراعاة الجانب الاجتماعي للفلاحين الصغار و توفير بدائل أكثر واعقية.


• ما هي اقتراحاتكم الإضافية للتغلب على موجات التغيرات المناخية في حالة ما كانت هذه التغيرات ذات طبيعة مدمرة؟

في إعتقادي أن مشكل التقلبات المناخية أصبح واقعاً يفرض نفسه على الجميع و لو بنسب متفاوتة حسب المناطق، إذ أن العالم القروي أشد تضرراً من الظاهرة مقارنة بالحواظر. و عليه، فا لحد من آثار الظاهرة يتطلب التدخل السريع و الحازم على مستويين رئيسيين، أولهما وضع مقاربة واضحة و فعالة للحد من انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري و تمويل مشاريع التنمية المستدامة الموجهة للتكيف والتخفيف من آثار هذه الانبعاثات في إطار التزامات المغرب  نحو اتفاقيات الأمم المتحدة حول التغيرات المناخية. الثاني، وضع استراتجيات صارمة لترشيد استعمال الماء خصوصاً على مستوى الحواضركتقنين غسل السيارات والشاحنات و  استعمال التقنيات غير المستهلِكة للماء.


التسريع في وتيرة مشاريع تحلية المياه و تصفية المياه العادمة لاستغلالها في الري، كما وجب تعزيز العرض المائي عبر مواصلة سياسة السدود والبحيرات التلية، والتركيز على المحافظة على المياه الجوفية.

الإنتقال التدريجي نحو استراتيجية فلاحية جديدة تهدف إلى المحافظة على الأشجار المثمرة، مما يتيح الحفاظ على دخل الفلاحين، مع الحفاظ على إنتاج الحبوب، على اعتبار الأهمية التي تمثلها من خلال زراعتها في الأماكن الملائمة لإنتاجها.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاثنين 22 يناير 2024
في نفس الركن