بقلم : عدنان بنشقرون
قبل سنوات قليلة فقط، كان الحديث عن المغرب كمركز عالمي للبطاريات يبدو مبالغاً فيه. اليوم، لم يعد الأمر حلماً إعلامياً. في طنجة تيك، القنيطرة، وحول الجرف الأصفر، تتسارع الإعلانات الصناعية بوتيرة غير مسبوقة. وهذه المرة، لا يتعلق الأمر بمجرد تجميع أو وحدات هامشية، بل بسلاسل قيمة كاملة تشمل النحاس، الأنودات، الكاثودات، البطاريات ومكونات السيارات، أي صلب التحول نحو التنقل الكهربائي.
قرار شركة Gotion High-Tech إنشاء مصنع ضخم للبطاريات في القنيطرة باستثمار يبلغ 1.3 مليار دولار، مع بدء الإنتاج في الربع الثالث من سنة 2026، يلخص هذا التحول. المشروع يتوقع قدرة أولية تبلغ 20 جيغاواط/ساعة، مع إمكانية الوصول إلى 100 جيغاواط/ساعة، وإنتاج موجه بشكل كبير نحو التصدير. وكما تشير وكالة رويترز، فإن المصنع سيشمل أيضاً إنتاج مكونات أساسية مثل الكاثودات والأنودات. وبالتالي، نحن أمام بنية صناعية حقيقية وليست مجرد واجهة.
في السياق نفسه، أعلنت شركتا Hailiang وShinzoom عن استثمارات في المغرب لإنتاج النحاس والأنودات، وهي مكونات أساسية في صناعة البطاريات. قيمة الاستثمارات (450 مليون دولار و460 مليون دولار) تعكس حجم الرهان الصيني. المغرب أصبح جذاباً لأنه قريب من أوروبا، مرتبط باتفاقيات تجارة حرة، ومندمج في صناعة السيارات عبر رينو وستيلانتيس.
هذا التموقع لم يأت من فراغ. فخلال العقدين الأخيرين، وبفضل رؤية صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بنى المغرب قاعدة صناعية للسيارات أصبحت من أهم محركات صادراته. ففي سنة 2024، بلغت صادرات السيارات المغربية 157 مليار درهم، حسب رويترز. كما تخطط شركة ستيلانتيس لرفع إنتاج مصنع القنيطرة إلى 535 ألف سيارة سنوياً.
من منظور الرباط، المعادلة تبدو واضحة : أوروبا تتجه نحو الكهرباء، الصين تهيمن على تكنولوجيا البطاريات، والمغرب يمتلك الصناعة، الموانئ، الطاقة المتجددة، الفوسفاط، والاستقرار. فلماذا البقاء في موقع المتفرج؟
القلق الأوروبي : هل يصبح المغرب شريكاً أم قناة للالتفاف؟
هنا يصبح الملف حساساً. فقد نقلت صحيفة فايننشال تايمز قلق بروكسل من تسارع الاستثمارات الصينية في المغرب، خاصة في مكونات السيارات الكهربائية. جوهر القلق الأوروبي هو “تجاوز الرسوم الجمركية”، أي أن شركات صينية قد تنتج في المغرب للاستفادة من الامتيازات التجارية، وتفادي الرسوم المفروضة على منتجاتها المباشرة.
هذا القلق ليس نظرياً. الاتحاد الأوروبي فرض في 29 أكتوبر 2024 رسوماً تعويضية على السيارات الكهربائية الصينية تتراوح بين 7.8% و35.3%. وفي يناير 2026، نشرت المفوضية الأوروبية وثيقة جديدة حول التزامات الأسعار. أي أن الصراع بين بروكسل وبكين أصبح قانونياً وتجاريًا بالفعل.
السؤال المعقد هو : أين ينتهي الاستثمار الصناعي المشروع وأين يبدأ إعادة توجيه الإنتاج المدعوم؟ المغرب يؤكد أن قواعد المنشأ تفرض تحويلًا حقيقياً داخل التراب الوطني. لكن هذه القواعد تبقى تقنية وقابلة للتأويل، وفي سياق توتر بين أوروبا والصين، تصبح الحساسية أكبر.
من جهة أخرى، الصين تواجه فائضاً صناعياً في عدة قطاعات مرتبطة بالانتقال الطاقي، وتبحث عن أسواق بديلة. والمغرب، بحكم موقعه واتفاقياته، يبدو وجهة طبيعية. من السذاجة الاعتقاد بأن كل الاستثمارات الصينية تستهدف السوق المغربي فقط، فالسوق الحقيقي هو الأوروبي.
لكن اتهام المغرب بأنه “بوابة التفاف” تبسيط مخل. فالمملكة لم تستثمر في الموانئ والمناطق الصناعية والبنية اللوجستية لتبقى مجرد منصة عبور. بل تطمح إلى أن تكون فاعلاً صناعياً في العولمة الجديدة.
الرهان المغربي الحقيقي : الصعود دون فقدان السيطرة
الخطر لا يأتي فقط من أوروبا، بل أيضاً من سيناريو آخر: أن يصبح المغرب أرض استقبال دون سيادة تقنية. فالمصنع قد يخلق وظائف، لكنه لا ينقل التكنولوجيا تلقائياً. والاستثمار قد يرفع الصادرات دون أن ينتج شركات وطنية قوية.
لذلك يجب طرح الأسئلة الحاسمة :
ما القيمة المضافة المحلية؟
كم عدد الوظائف المؤهلة؟
ما دور المقاولات المغربية؟
ما موقع الجامعات في هذه المنظومة؟
من يملك المعرفة وبراءة الاختراع وسلاسل القرار؟
صناعة السيارات في المغرب أظهرت قدرة على التعلم السريع، لكن بطاريات المستقبل تتطلب مستوى أعلى بكثير: كيمياء متقدمة، بحث علمي، إعادة تدوير، طاقة، وسلاسل توريد معقدة.
الفوسفاط يمنح المغرب ميزة استراتيجية، لكن يجب ألا يُختزل دوره في مجرد مادة أولية. المطلوب هو بناء منظومة كاملة تشمل البحث، التعليم، والابتكار الصناعي.
المغرب لا يجب أن يختار بين الصين وأوروبا. بل عليه أن يجعل الطرفين يتعاملان معه كفاعل أساسي، لا كمجرد منصة. الصين يمكن أن تسرع دخوله للتكنولوجيا، وأوروبا يمكن أن توفر السوق والمعايير. الخطر هو أن يصبح المغرب موضوعاً للتنافس بدل أن يكون جزءاً من صنعه.
خلاصة : بين الموقع الجغرافي وصناعة القرار
من طنجة، المشهد واضح : المصانع تُبنى، الاستثمارات تتدفق، والخريطة الصناعية تتغير. لكن التحدي الحقيقي ليس في الحركة، بل في الاتجاه.
بين الصين المنتجة، وأوروبا المنظمة، والمغرب الطامح، يبقى السؤال الأساسي: هل نريد فقط أن نكون موقعاً مناسباً على الخريطة؟ أم دولة تعيد رسم تلك الخريطة؟