بقلم عدنان بنشقرون
على مدى عقود، كانت القوة الاقتصادية تُقاس بعدد براميل النفط، وأطنان الفولاذ، والقدرات العسكرية، واحتياطيات العملات الأجنبية. أما اليوم، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، فإن خريطة جديدة للقوة العالمية آخذة في التشكل.
هذه الخريطة لم تعد ترتكز على مورد واحد، بل على سلسلة من المفاتيح الصناعية الاستراتيجية، تبدأ بالمواد الخام الحيوية، مرورًا بتصميم المعالجات الإلكترونية، ثم تصنيعها، وصولًا إلى الحلقة الأهم في السلسلة: الآلات القادرة على نقش تلك المكونات المجهرية فائقة الدقة.
في هذا الاقتصاد العالمي الجديد، تسعى كل قوة كبرى إلى السيطرة على حلقة معينة من سلسلة الإنتاج. فالصين تهيمن على المعادن النادرة، ولا سيما عمليات تكريرها. بينما تستحوذ الولايات المتحدة على القسم الأكبر من تصميم معالجات الذكاء الاصطناعي. أما تايوان، فتضم أكثر الشركات تقدمًا في تصنيع الرقائق الإلكترونية. وفي المقابل، تحتضن هولندا شركة ASML، التي تنتج المعدات الضرورية لصناعة أكثر الرقائق الإلكترونية تطورًا في العالم، وهكذا، باتت العولمة التكنولوجية تشبه، يومًا بعد آخر، شبكة من الاعتماد المتبادل أكثر من كونها سوقًا عالمية مفتوحة.
ASML تمتلك الآلة التي تجعل كل ذلك ممكنًا
فوق شركات تصنيع الرقائق نفسها، يوجد فاعل أقل شهرة لدى عامة الناس، وهو الشركة الهولندية ASML، لا تنتج ASML المعادن النادرة، ولا المعالجات، ولا الحواسيب، بل تصنع آلات الطباعة الضوئية (Lithography) المستخدمة في نقش مليارات الترانزستورات على رقائق السيليكون. وتُعد أنظمة الأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV) التي تطورها الشركة ضرورية لإنتاج أكثر الرقائق الإلكترونية تقدمًا على المستوى الصناعي.
وتُعتبر ASML المزود الوحيد في العالم القادر على تسليم معدات EUV على نطاق صناعي واسع. وتستخدم هذه الآلات شركات TSMC وSamsung وIntel. وهي تجمع بين أشعة ليزر فائقة القوة، وعدسات بصرية مصنوعة بدقة استثنائية، وآلاف المكونات، وبرمجيات قادرة على تصحيح انحرافات تكاد لا تُرى بالعين المجردة.
وتعمل ASML حاليًا على تطوير الجيل الجديد من تقنية High-NA EUV، المصمم لمواكبة تصنيع معالجات أكثر دقة وتطورًا. ومن شأن هذه التقنية أن تتيح زيادة كثافة الترانزستورات ومواصلة سباق تعزيز القدرة الحاسوبية، رغم التحديات الفيزيائية المتزايدة التي تواجه تصغير المكونات الإلكترونية.
وبفضل الاستثمارات المتزايدة في مجال الذكاء الاصطناعي، رفعت ASML توقعاتها لإيرادات سنة 2026 إلى ما بين 43 و45 مليار يورو. كما يدفعها حجم طلبات الشراء واحتياجات عملائها إلى دراسة توسيع قدراتها الإنتاجية.
القوة أصبحت في يد من يسيطر على حلقات العبور الحاسمة
الدرس الأكبر الذي تكشفه هذه السلسلة الصناعية الجديدة واضح : لا توجد دولة واحدة تهيمن بمفردها على النظام بأكمله :
تسيطر الصين على تكرير المعادن النادرة وعلى جزء كبير من صناعة المغناطيسات الدائمة
تهيمن الولايات المتحدة على تصميم مسرعات الذكاء الاصطناعي والبرمجيات.
تتقن تايوان تصنيع أكثر المكونات الإلكترونية تقدمًا.
وتتحكم هولندا، عبر شركة ASML، في واحدة من أكثر الآلات تعقيدًا وصعوبة في الاستبدال.
كما تؤدي أطراف أخرى أدوارًا محورية، من بينها :
اليابان في مجال المواد المتقدمة والمنتجات الكيميائية.
ألمانيا في البصريات الدقيقة.
كوريا الجنوبية في رقائق الذاكرة وأشباه الموصلات.
والشركات الأمريكية المتخصصة في معدات التصنيع وبرمجيات التصميم الإلكتروني.
لذلك، لم تعد السيادة التكنولوجية تعني إنتاج كل شيء داخل حدود الدولة، بل أصبحت تعني امتلاك حلقة لا غنى عنها في سلسلة الإنتاج، أو تقنية حرجة، أو خبرة صناعية يصعب على الآخرين إعادة إنتاجها في وقت قصير.
في الماضي، كانت المضايق البحرية وخطوط أنابيب النفط هي التي ترسم موازين القوى. أما اليوم، فقد أصبحت نقاط العبور الحقيقية تتمثل في مصنع صيني لتكرير المعادن النادرة، أو منصة برمجية أمريكية، أو مصنع تايواني لصناعة الرقائق، أو آلة هولندية يبلغ ثمنها مئات الملايين من اليوروهات.
في معركة الذكاء الاصطناعي العالمية، تستحوذ الخوارزميات على الأضواء، لكن القوة الحقيقية غالبًا ما تكمن في مكان أعمق داخل سلسلة الإنتاج : في المعادن، والمصانع، وبراءات الاختراع، والأنظمة البصرية، والآلات التي تجعل القدرة الحاسوبية ممكنة.