كتاب الرأي

المدينة المنورة : المدنية الصامتة للحجاج المستقبليين


في المدينة المنورة، أول ما يلفت الانتباه ليس فقط جمال المكان أو قيمته الروحية، بل شيء آخر أكثر هدوءاً وأعمق أثراً: سلوك مدني راقٍ يجمع بين الحجاج القادمين من مئات الجنسيات.



بقبم : عدنان ينشقرون

في الأزقة القريبة من المسجد النبوي، وفي طوابير الانتظار، وأمام الفنادق، ونقاط تجمع الحافلات، تتقاطع مسارات رجال ونساء من لغات وأعمار وثقافات مختلفة. ورغم التعب والحرارة والزحام أحياناً، يفرض نوع من النظام الطبيعي نفسه؛ الكل ينتظر دوره، يساعد غيره، يفسح الطريق، ويتحلى بالاحترام.
 

هذا السلوك المدني ليس مثالياً دائماً، فهناك لحظات ازدحام وتوتر وأشخاص تائهون يبحثون عن مرشدهم أو حافلتهم. لكن الصورة العامة تعكس درساً إنسانياً واضحاً: عندما يجتمع الناس على هدف روحي واحد، تتراجع الفوارق وتصبح ثانوية.
 

تصبح المدينة المنورة مساحة إنسانية كبرى، يلتقي فيها أفارقة وآسيويون وأوروبيون وعرب وأتراك وإندونيسيون ومغاربة وباكستانيون وسنغاليون وبوسنيون ومالزيون ونيجيريون وفرنسيون وبريطانيون وغيرهم، يجمعهم مقصد واحد: رحلة داخلية قبل أن تكون مجرد أداء لمناسك.
 

وما يثير الانتباه أكثر هو هذا الانضباط الهادئ الذي لا يُفرض بالقوة، بل ينبع من احترام المكان وقدسيته، ومن الحاجة العملية أيضاً، لأن غياب هذا السلوك كان سيجعل من هذا التجمع الهائل أمراً بالغ الصعوبة.
 

في عالم يطغى عليه الفردانية، تذكر المدينة المنورة الجميع بأن العيش المشترك ليس شعاراً، بل ممارسة يومية تقوم على الصبر، والتعاون، وضبط النفس، والانتباه للآخر.
 

وبالنسبة للحاج، تصبح هذه التجربة جزءاً من الاستعداد الروحي، إذ يتعلم أن الحج لا يبدأ فقط بالمناسك، بل بالسلوك والأخلاق داخل الفضاء العام.
 

فالسلوك المدني هنا يتحول إلى عبادة صامتة : عدم الدفع، عدم رفع الصوت، مساعدة المسنين، الابتسامة، إفساح الطريق، وإرشاد التائهين… تفاصيل صغيرة تحمل معنى كبيراً.
 

المدينة المنورة تقدم صورة إنسانية مؤثرة : بشر مختلفون يستطيعون التعايش في انسجام داخل فضاء واحد، رغم اختلاف لغاتهم وثقافاتهم.
 

في النهاية، يدرك الزائر أن الروحانية لا تتجلى فقط في الصلاة، بل أيضاً في طريقة التعامل مع الآخرين. وربما تكون هذه واحدة من أعمق دروس الرحلة.





الاثنين 18 ماي 2026
في نفس الركن