بقلم : عدنان بنشقرون
فالارتفاع في الأسعار ليس مجرد معطى إحصائي، بل هو واقع يدخل إلى البيوت ويعيد تشكيل العادات اليومية ويجبر الأسر على المقارنة والتقليص والتأجيل. وهو لا يضرب فقط الفئات الهشة، بل يمتد تدريجياً إلى جزء من الطبقة الوسطى التي أصبحت تواجه نوعاً من التآكل الصامت في قدرتها الشرائية، حيث تبقى الأجور مستقرة نسبياً بينما تتقلص السلة الاستهلاكية بشكل مستمر.
ومن هنا يبرز النقاش حول قنوات التوزيع باعتباره محورياً. فبين المنتج والمستهلك توجد سلسلة طويلة ومعقدة، غالباً ما تفتقد للوضوح. في كل مرحلة من هذه السلسلة تُضاف تكلفة أو هامش ربح، بعضها مبرر ومرتبط بالنقل والتخزين والتوزيع والبيع، لكن بعضها الآخر قد يتحول إلى شكل من أشكال الاستغلال غير المنتج.
وهنا يتجاوز النقاش البعد الاقتصادي ليصبح سؤالاً سياسياً أيضاً: من يستفيد فعلياً من ارتفاع الأسعار؟ الفلاح؟ ليس دائماً. التاجر الصغير؟ ليس بالضرورة. المستهلك؟ بالتأكيد لا. ويبقى المجال الوسيط الذي قد تتحرك فيه أطراف تستفيد من غياب الشفافية وعدم توازن المعلومات.
المشكلة لا تكمن في التجارة نفسها، بل في الانحرافات التي قد تصيبها، عندما تتحول الوساطة إلى مضاربة، والتوزيع إلى احتكار، والندرة إلى أداة ربح غير مشروع. ففي السوق السليم، يؤدي الوسيط وظيفة تنظيمية، أما في السوق المختل فقد يتحول إلى حاجز يضيف “رسوم عبور” غير مبررة.
في هذا السياق، يحاول حزب الاستقلال ونزار بركة إعادة توجيه النقاش نحو هذه الحقيقة الأساسية : الاقتصاد لا يُقاس فقط بمؤشراته الكلية، بل أيضاً بقدرته على حماية المواطن من اختلالات السوق. فقد تحقق الدولة مشاريع كبرى وتقدم مؤشرات نمو إيجابية، لكن ذلك لا يمنع استمرار الضغط على الأسر أمام تكاليف الحياة اليومية.
إشكالية التضخم، في هذا السياق، ليست مجرد ارتفاع في الأسعار، بل في طبيعة هذا الارتفاع. فليست كل زيادة في الأسعار غير مبررة، لكن كل زيادة تحتاج إلى تفسير واضح: ما الذي ناتج عن الصدمة العالمية؟ وما الذي يرتبط بهوامش ربح غير مضبوطة أو ممارسات استغلالية؟
ولهذا تصبح الشفافية مطلباً مركزياً : شفافية في الهوامش، في سلاسل التوزيع، في المخزون، وفي الممارسات التجارية. فبدون هذه الشفافية، يفقد المواطن ثقته تدريجياً في آليات السوق، ومع الوقت يتحول هذا الإحساس إلى توتر اجتماعي وسياسي قابل للتصاعد.
فالاقتصاد الحديث لا يمكن أن يستمر في بيئة يغلب عليها الشك. عندما يعتقد المستهلك أن الأسعار غير عادلة، وعندما يشعر المنتج أنه لا يستفيد من جهده، وعندما يرى التاجر الصغير أنه محاصر، فإن السوق يفقد توازنه المعنوي، حتى لو استمر في العمل تقنياً.
المطلوب ليس اقتصاداً موجهاً تتحكم فيه الدولة في كل الأسعار، فهذا غير واقعي. المطلوب هو سوق تنافسي حقيقي، قائم على قواعد واضحة، ومراقبة فعالة، وبيانات شفافة، وتدخل منظم عندما يحدث انحراف أو استغلال.
ومن هذا المنظور، لا تمثل الرقابة عائقاً أمام السوق، بل شرطاً لنجاعته. فالسوق غير الشفاف يضعف الفاعلين الجادين، ويقوي السلوكيات الانتهازية، بينما السوق المنظم يعزز الثقة ويشجع الاستثمار الحقيقي.
وهكذا تصبح القدرة الشرائية نقطة التقاء بين الاقتصاد والعدالة الاجتماعية. فالمسألة لم تعد فقط مسألة دخل، بل أيضاً مسألة بنية السوق نفسها: ما جدوى رفع الأجور إذا كانت القنوات غير الشفافة تلتهم الزيادة؟ وما جدوى دعم الإنتاج إذا كانت القيمة النهائية تُحتكر في مراحل التوزيع؟
إن المغرب اليوم في حاجة إلى نقاش صريح حول هذه السلسلة غير المرئية التي تربط الحقل بالمصنع بالمخزن بالجملة بالتجزئة ثم بالبيت. فطالما بقيت هذه السلسلة غير مفهومة، سيبقى المواطن يشعر بأنه يدفع ثمن قرارات لا يتحكم فيها.
إن الدفاع عن القدرة الشرائية لا يقتصر على إجراءات ظرفية، بل يتطلب فتح القنوات، ومحاربة الريع، وضبط الهوامش غير المشروعة، ودعم المنتجين، وحماية المستهلكين، وإعادة بناء الثقة في العدالة الاقتصادية.
لأن الخطر الحقيقي ليس في تحقيق الأرباح، بل في أن تتحول هذه الأرباح إلى نتيجة للغموض وضعف الرقابة وعجز المواطن عن الفهم أو التأثير.
وبهذا المعنى، تصبح القدرة الشرائية ليست مجرد مؤشر اقتصادي، بل قلب الثقة الاجتماعية. وعندما تتحول إلى ضحية صامتة لقنوات غير شفافة، فإن ذلك ينعكس على مجمل الاقتصاد ويهدد مصداقيته في العمق