بقلم : عدنان بنشقرون
وتؤكد المعلومات المتوفرة أن الصور ومقاطع الفيديو القادمة من الفنيدق أظهرت عدة محاولات لعبور الحدود، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة التساؤلات حول كيفية تجمع عشرات أو مئات الأشخاص في المكان نفسه وفي التوقيت ذاته، دون وجود شكل من أشكال التنسيق المسبق.
مجموعة واتساب تثير الشبهات
ومن بين أبرز المعطيات التي يجري التحقق منها وجود مجموعة على تطبيق واتساب تحمل اسم "هجمة كرياج سبتة"، يرجح أنها لعبت دورا في نشر الدعوات المتعلقة بمحاولات العبور.
وبحسب المعلومات المتداولة، فإن المجموعة كانت تُدار عبر رقم هاتفي يحمل المفتاح الدولي الجزائري (+213)، وشهدت تداول عشرات الرسائل النصية والصوتية التي دعت المشاركين إلى التجمع في مكان محدد وفي توقيت معين، مع اقتراح سيناريوهات مختلفة لتنفيذ عملية العبور.
وتضمنت بعض الرسائل دعوات لعبور جماعي سباحة، بينما شجعت رسائل أخرى المشاركين على التوجه نحو السياج الفاصل بين الفنيدق وسبتة.
ومع ذلك، تؤكد التحقيقات أن وجود رقم أجنبي لا يكفي لإثبات هوية الشخص الذي يدير المجموعة، إذ يمكن استخدام الرقم من دولة أخرى أو من طرف شخص غير مالكه الرسمي، وهو ما يجعل أي استنتاج نهائي سابقا لأوانه.
ومن المرتقب أن تحدد التحقيقات الأمنية والقضائية هوية القائمين على هذه المجموعة، والأهداف التي كانوا يسعون إليها، والوسائل التي اعتمدوها في إدارة هذا النشاط.
انتشار واسع عبر إعادة توجيه الرسائل
وأظهرت التحقيقات أيضا اعتماد أسلوب يعرف بـ"الانتشار المتسلسل"، حيث كان أعضاء المجموعة يُطلب منهم إعادة توجيه الرسائل إلى مجموعات واتساب أخرى، بهدف توسيع دائرة المستهدفين واستقطاب أكبر عدد ممكن من الراغبين في الهجرة.
ويصعب التحكم في هذه الطريقة، لأن الرسائل يمكن نسخها وإعادة نشرها وتعديلها خلال دقائق، لتصل إلى آلاف الأشخاص، ما يجعل تحديد مصدرها الأصلي أمرا معقدا.
وفي هذا النوع من التعبئة يصبح كل مشارك ناقلا للرسالة، وقد يعيد البعض نشرها دون معرفة صاحبها الأصلي أو إدراك ما قد يترتب عن ذلك من مخاطر إنسانية أو مسؤوليات قانونية.
فيسبوك أيضا استُخدم في التعبئة
ولم تقتصر الدعوات على واتساب، إذ رصدت التحقيقات منشورات مشابهة داخل مجموعات مغلقة على فيسبوك.
واستُعملت في بعض المنشورات عبارات مشفرة مثل "الريح" أو "الهجمة" للإعلان عن محاولات عبور مرتقبة، كما جرى تقديم عمليات سابقة على أنها ناجحة، بهدف تشجيع المزيد من الشباب على المشاركة.
ويرى معدو التحقيق أن هذا الأسلوب يساهم في التقليل من حجم المخاطر، إذ يتم تصوير العبور وكأنه إنجاز جماعي، بينما يتم تجاهل أخطار الغرق والإصابات والاعتقال والمتابعات القضائية.
كما تستهدف هذه الرسائل فئة من الشباب، وأحيانا القاصرين، الذين يعيشون أوضاعا اجتماعية صعبة، ما يجعلهم أكثر قابلية للتأثر بخطابات توحي بأن العبور الجماعي يزيد فرص النجاح، رغم أن الواقع يؤكد أن كثرة المشاركين لا تحمي من مخاطر البحر أو الحوادث.
مشاركون من جنسيات مختلفة
وتشير المعلومات الأولية إلى أن هذه المجموعات الرقمية ضمت مشاركين من المغرب والجزائر وتونس، ما يطرح عدة فرضيات بشأن طبيعة هذه الفضاءات.
فهل يتعلق الأمر بأشخاص يتبادلون معلومات حول الهجرة؟ أم بشبكات غير رسمية للمساعدة؟ أم بمحرضين يدفعون الشباب نحو مغامرات خطيرة؟ أم أن الأمر يتعلق بعملية منظمة تتجاوز أهدافها مسألة الهجرة وحدها؟
وفي هذه المرحلة، لا تؤكد التحقيقات أيا من هذه الفرضيات، فيما يبقى تحديد هوية المشرفين على هذه المجموعات ومواقعهم والعلاقات التي تربط بينهم من اختصاص الأجهزة الأمنية والقضائية.
تزامن يثير التساؤلات
ويظل أكثر ما يلفت انتباه المحققين هو التزامن بين انتشار الدعوات عبر الإنترنت ووقوع محاولات العبور على أرض الواقع، ورغم أن هذا التزامن يبرر فتح تحقيق معمق، فإنه لا يشكل دليلا قاطعا على أن المجموعات الرقمية كانت السبب المباشر في الأحداث.
وينتظر أن تشمل التحقيقات مراجعة تاريخ إنشاء هذه المجموعات، وهوية المشرفين عليها، وأوقات نشر الرسائل، وعدد المشاركين النشطين، إضافة إلى مقارنة هذه المعطيات مع الأشخاص الذين شاركوا فعليا في محاولات العبور.
كما قد تساهم عمليات تحليل الهواتف المحجوزة وسجلات الاتصال والمراسلات الرقمية في إعادة بناء مسار التعبئة وتحديد المسؤوليات.
الشباب والقاصرون في الواجهة
ويخلص التحقيق إلى أن هذه القضية تكشف واقعا مقلقا يتمثل في تحول شبكات التواصل الاجتماعي إلى فضاءات لاستقطاب الشباب وتشجيعهم على الهجرة غير النظامية.
ففي غضون ساعات قليلة يمكن أن يجد شباب، بل وحتى قاصرون، أنفسهم منخرطين في تحركات جماعية تقلل من إدراكهم لحجم المخاطر، بينما تمنحهم الرسائل المتكررة انطباعا مضللا بأن العبور أصبح سهلا أو مضمونا.
وفي هذا السياق، قد تتحول رسالة صوتية بسيطة إلى وسيلة تدفع أشخاصا إلى تعريض حياتهم للخطر.
الظاهرة تتكرر
يشير التقرير إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي تسبق فيها حملات رقمية محاولات هجرة جماعية نحو سبتة، مرجحا أن يتكرر الأمر مستقبلا إذا لم يتم تطوير آليات فعالة للتصدي لهذه الأساليب.
ويرى أن المقاربة الأمنية تظل ضرورية لتحديد هوية المحرضين ومنع محاولات العبور الخطيرة، لكنها وحدها غير كافية، إذ يدعو إلى تعزيز الوقاية الرقمية، وتوعية الأسر، وتحميل المنصات الرقمية جزءا من المسؤولية، إضافة إلى تكثيف حملات التوعية الموجهة للشباب.
ويشدد التقرير في ختامه على أن التحقيقات ستحدد ما إذا كانت هذه التعبئة من تنفيذ أفراد معزولين أو شبكات منظمة أو جهات تستغل هشاشة بعض الشباب، مؤكدا أن ما حدث في الفنيدق يثبت مرة أخرى أن التحريض الرقمي قد يتحول بسرعة إلى تهديد حقيقي عندما يدفع الشباب والقاصرين نحو البحر أو الحدود