كتاب الرأي

الصواريخ الباليستية الإيرانية : تحقيق في صناعة حربية تغذيها شحنات قادمة من الصين


أصبحت الصواريخ الباليستية الإيرانية اليوم محط اهتمام متزايد، ليس فقط بسبب استخدامها في النزاعات الإقليمية، بل أيضاً بسبب الشبكة الصناعية واللوجستية المعقدة التي تقف وراء تصنيعها، والتي تمتد من شركات وهمية وسفن شحن إلى مصانع ومواد كيميائية يصعب تعطيلها بشكل دائم.



بقلم : عدنان بنشقرون

لطالما ظهرت الصواريخ الباليستية الإيرانية في العروض العسكرية تحت صور قادة الجمهورية الإسلامية، ترافقها تصريحات يصعب التحقق منها بشأن مداها أو دقتها. غير أن المشهد تغيّر اليوم، بعدما أصبحت هذه الصواريخ تُستخدم فعلياً في المواجهات العسكرية الإقليمية.


هذا التحول غيّر طبيعة النقاش بالكامل. فلم يعد السؤال المطروح هو : كم صاروخاً تمتلك إيران؟ بل أصبح : كم صاروخاً تستطيع تصنيعَه؟ وبأي سرعة؟ ومن خلال أي شبكات خارجية تؤمّن المواد اللازمة لذلك؟


في قلب هذا التحقيق تبرز مادة لا يعرفها كثيرون خارج الأوساط الصناعية والعسكرية، وهي بيركلورات الصوديوم. فهذه المادة ليست صاروخاً بحد ذاتها، كما أنها ليست وقوداً جاهزاً للاستخدام، لكنها تُعد مادة أولية أساسية لإنتاج بيركلورات الأمونيوم، وهو المؤكسد الرئيسي الذي يدخل في تركيب العديد من أنواع الوقود الصلب المستخدم في محركات الصواريخ والقذائف الباليستية.


في أبريل 2025، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على ست مؤسسات وستة أشخاص في إيران والصين، متهمة إياهم بتنظيم عمليات شراء بيركلورات الصوديوم ومكونات أخرى لصالح الحرس الثوري الإيراني. ومن بين الجهات التي ورد اسمها آنذاك شركة بارشين للصناعات الكيميائية، المرتبطة بمنظمة الصناعات الدفاعية الإيرانية.


غير أن هذه العقوبات لم تكشف سوى جزء محدود من منظومة صناعية ولوجستية أوسع بكثير.


وفي يناير 2025، كشفت صحيفة فايننشال تايمز، نقلاً عن مسؤولين استخباراتيين من دولتين غربيتين، أن السفينتين الإيرانيتين «غولبون» و**«جايران»** كانتا تستعدان لنقل أكثر من ألف طن من بيركلورات الصوديوم من الصين إلى إيران.


وكانت السفينتان ترفعان العلم الإيراني، وهو ما سمح بتقليص عدد الوسطاء الذين قد يتعرضون للتفتيش أو الضغوط الدبلوماسية أو رفض شركات الشحن الأجنبية التعامل معهم. وتشير المعطيات إلى أن الشحنة كانت موجهة إلى برنامج الصواريخ التابع للحرس الثوري.


كما أظهرت بيانات تتبع الملاحة البحرية، التي استندت إليها لاحقاً صحيفة وول ستريت جورنال، أن الشحنات وصلت بالفعل إلى موانئ إيرانية بين منتصف فبراير ونهاية مارس 2025.


وتبدو سلسلة الإمداد، وفق المعطيات المتوفرة، على النحو التالي :
  منتجون أو وسطاء في الصين يوفرون المادة الكيميائية الأولية.   تُشحن المادة من أحد الموانئ الصينية.   تتولى سفن مرتبطة بإيران نقلها بحراً   تصل الشحنة إلى ميناء إيراني، قبل أن تُحوَّل إلى المجمعات الصناعية التابعة لوزارة الدفاع أو للحرس الثوري.


ولا يعني هذا المسار بالضرورة أن الحكومة الصينية تشرف مباشرة على كل عملية شحن. فبكين تؤكد أنها تطبق قوانينها الخاصة بالمواد ذات الاستخدام المزدوج، وتقول إنها ليست على علم ببعض الشحنات التي تحدثت عنها وسائل الإعلام.


لكن تكرار عمليات الشحن، ووجود شركات صينية خاضعة للعقوبات، وتعدد الوسطاء العاملين من داخل الصين، يجعل من الصعب اعتبار هذه العمليات مجرد معاملات تجارية معزولة أو حوادث عرضية.


وفي مارس 2026، أشارت مذكرة صادرة عن اللجنة الأمريكية الصينية لمراجعة العلاقات الاقتصادية والأمنية إلى مغادرة سفينتين حكوميتين إيرانيتين جديدتين من ميناء غاولان الصيني، وسط شبهات بحملهما شحنات إضافية من بيركلورات الصوديوم، مذكّرةً بالعملية المماثلة التي كُشف عنها سنة 2025.


وتوحي هذه المعطيات بأن شبكة الإمداد لم تتوقف بالكامل، بل ما تزال تعمل رغم العقوبات والرقابة الدولية

 
من المادة الكيميائية إلى الصاروخ : سلسلة تصنيع معقدة


لا تتحول شحنة من بيركلورات الصوديوم إلى صاروخ باليستي بمجرد وصولها إلى إيران. فهذه المادة لا تمثل سوى الحلقة الأولى في سلسلة صناعية طويلة ومعقدة.


في البداية، يُحوَّل بيركلورات الصوديوم داخل مصانع كيميائية متخصصة إلى بيركلورات الأمونيوم، وهو المؤكسد الأساسي الذي يدخل في تركيب الوقود الصلب المستخدم في العديد من الصواريخ.


بعد ذلك، يُمزج هذا المؤكسد مع مواد أخرى، من بينها مسحوق الألمنيوم، والمواد الرابطة البوليمرية، وعدد من الإضافات الكيميائية الدقيقة، لإنتاج الوقود الصلب الذي يُملأ داخل محركات الصواريخ.


ثم تبدأ مرحلة التصنيع الميكانيكي، حيث يتم إنتاج الهياكل المعدنية، وأنظمة التوجيه، والمحركات، والرؤوس الحربية، ومختلف المكونات الإلكترونية التي تجعل الصاروخ قادراً على تنفيذ مهمته.


وتشير التقديرات إلى أن بناء هذه السلسلة الصناعية يتطلب سنوات من الاستثمار، وخبرات تقنية متقدمة، إضافة إلى شبكة واسعة من الموردين المحليين والأجانب.


ولهذا السبب، لا تركز العقوبات الغربية على الصواريخ الجاهزة فقط، بل تستهدف أيضاً المواد الكيميائية والمعدات الصناعية والشركات الوسيطة التي تشكل أساس هذه الصناعة.

شبكات التفاف على العقوبات


منذ سنوات، طورت إيران منظومة معقدة للالتفاف على العقوبات الدولية المفروضة على برنامجها الصاروخي، وتعتمد هذه المنظومة على شركات واجهة، ووسطاء تجاريين، وشبكات مالية، إضافة إلى استخدام موانئ وشركات نقل مختلفة لتقليل فرص اكتشاف الشحنات أو تعطيلها.


كما يتم أحياناً تغيير أسماء الشركات أو إعادة تسجيلها، أو تمرير البضائع عبر دول وسيطة قبل وصولها إلى وجهتها النهائية، بما يصعّب عملية تتبع مصدرها الحقيقي، ويرى خبراء أن هذه المرونة التنظيمية تفسر استمرار وصول بعض المواد الحساسة إلى إيران، رغم تشديد الرقابة الأمريكية والأوروبية على الصادرات ذات الاستخدام المزدوج.


في المقابل، تؤكد السلطات الأمريكية أن الهدف من العقوبات لا يقتصر على تعطيل شحنة بعينها، بل يتمثل في رفع تكلفة حصول إيران على هذه المواد، وإبطاء وتيرة إنتاجها العسكري، وإرباك الشبكات اللوجستية التي تعتمد عليها


هل نجحت الضربات العسكرية في إبطاء البرنامج الصاروخي؟


رغم الضغوط الاقتصادية والعقوبات المتواصلة، تعرض البرنامج الصاروخي الإيراني خلال السنوات الأخيرة لسلسلة من الضربات العسكرية وعمليات التخريب التي استهدفت بعض منشآت الإنتاج والتخزين.


لكن عدداً من الخبراء يرون أن هذه العمليات، رغم تأثيرها، لم تنجح في وقف البرنامج بصورة كاملة.


فالصناعة الصاروخية الإيرانية تعتمد على شبكة واسعة من المواقع الإنتاجية الموزعة داخل البلاد، بدلاً من الاعتماد على منشآت مركزية محدودة، وهو ما يجعل استهدافها بالكامل أمراً بالغ الصعوبة.


كما أن طهران راكمت، على مدى عقود، خبرات تقنية وصناعية سمحت لها بإعادة تشغيل بعض خطوط الإنتاج وتعويض جزء من الخسائر في فترات زمنية متفاوتة.


وتؤكد تقارير غربية أن استمرار تدفق المواد الأولية، حتى بكميات محدودة، يساهم في المحافظة على وتيرة الإنتاج، ولو بوتيرة أبطأ من السابق.

الصين تنفي... والغرب يواصل الاتهامات


في المقابل، تنفي الصين باستمرار تقديم أي دعم عسكري مباشر لإيران، وتؤكد أنها تلتزم بالقوانين الدولية المنظمة للصادرات، وترى بكين أن تعاونها التجاري مع الدول المختلفة يتم وفق القواعد الدولية، وأنها تعارض استخدام العقوبات الأحادية الجانب كأداة لإدارة العلاقات الدولية.


غير أن الولايات المتحدة تعتبر أن بعض الشركات الصينية تستغل ثغرات قانونية أو تعمل عبر وسطاء وشركات خاصة لتصدير مواد يمكن استخدامها في الصناعات العسكرية، ولهذا السبب، تواصل وزارة الخزانة الأمريكية إدراج شركات وأفراد جدد على لوائح العقوبات، في محاولة لتضييق الخناق على شبكات الإمداد.

سباق يتجاوز حدود الشرق الأوسط


ولا يقتصر هذا الملف على العلاقة بين الصين وإيران فقط، بل يعكس طبيعة المنافسة الجيوسياسية المتزايدة بين بكين وواشنطن، فالولايات المتحدة تنظر إلى تنامي النفوذ الصناعي والتكنولوجي الصيني باعتباره تحدياً مباشراً لمصالحها الأمنية، فيما ترى الصين أن القيود الأمريكية تستهدف الحد من صعودها الاقتصادي والصناعي.


وفي هذا السياق، تتحول المواد الكيميائية، وسلاسل الإمداد، والمكونات الصناعية إلى أدوات ضمن صراع عالمي تتداخل فيه الاعتبارات الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية

 
برنامج صاروخي يعتمد على الاستمرارية أكثر من السرعة


تكشف هذه القضية أن البرنامج الصاروخي الإيراني لا يعتمد على صفقة واحدة أو شحنة منفردة، بل على منظومة متكاملة من الإمدادات والقدرات الصناعية والخبرات التقنية التي تطورت على مدى سنوات طويلة.


ولهذا السبب، فإن أي شحنة يتم اعتراضها أو أي مصنع يتعرض للاستهداف لا يؤدي بالضرورة إلى وقف البرنامج بالكامل، بل قد يبطئ وتيرته أو يرفع تكلفة استمراره.


وتؤكد التجربة أن بناء صناعة صاروخية متكاملة لا يتم بين ليلة وضحاها، كما أن تعطيلها لا يتحقق بضربة واحدة، بل يتطلب استهدافاً متواصلاً لسلسلة طويلة من الموردين والمصانع وشبكات النقل والتمويل.

معركة تدور في الموانئ بقدر ما تدور في السماء


لم تعد المنافسة العسكرية اليوم تقتصر على ميادين القتال أو منصات إطلاق الصواريخ، بل أصبحت تمتد إلى الموانئ، وسفن الشحن، والمصانع الكيميائية، وسلاسل الإمداد العالمية.


فالمواد الأولية، والمكونات الصناعية، والخدمات اللوجستية أصبحت عناصر لا تقل أهمية عن الصاروخ نفسه، لأنها تشكل الأساس الذي تقوم عليه القدرة الإنتاجية للدول، ومن هذا المنطلق، تسعى الولايات المتحدة إلى تعطيل هذه الشبكات قبل وصول المواد إلى خطوط التصنيع، بينما تعمل إيران على إيجاد مسارات بديلة تضمن استمرار الإمدادات رغم العقوبات.

صراع يتجاوز إيران


في نهاية المطاف، لا يتعلق هذا الملف بإيران وحدها، بل يعكس تحولات أوسع في طبيعة المنافسة الدولية، فالصراع الدائر اليوم لا يقتصر على امتلاك أحدث الأسلحة، بل يشمل أيضاً السيطرة على المواد الخام، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والقدرة على حماية الصناعات الاستراتيجية.


ولهذا أصبحت المواد الكيميائية، وأشباه الموصلات، والمعادن النادرة، والذكاء الاصطناعي، عناصر أساسية في ميزان القوى العالمي، تماماً كما كانت حقول النفط أو الترسانات النووية في العقود السابقة.


وفي هذا السياق، تتحول كل شحنة من بيركلورات الصوديوم، وكل سفينة تغادر ميناءً صينياً متجهة إلى إيران، إلى جزء من مواجهة جيوسياسية أوسع، تتداخل فيها الاعتبارات الصناعية والاقتصادية والعسكرية.


وبذلك، لم تعد معركة الصواريخ الباليستية الإيرانية تُقاس بعدد الصواريخ التي تمتلكها طهران فقط، بل بقدرتها على الحفاظ على منظومة إنتاجها، وتأمين المواد التي تحتاجها، ومواصلة تطويرها رغم العقوبات والضغوط الدولية



تمت الاستعانة بالذكاء الاصطناعي للمساعدة في الترجمة الأولية، فيما خضع النص للمراجعة والتدقيق والتصحيح والتحرير من طرف عائشة بوسكين لضمان الدقة وسلامة الأسلوب
 




الأربعاء 22 يوليو/جويلية 2026
في نفس الركن