هل نحن أمام أزمة غير مرئية أم أمام تحسن في القدرة على التشخيص؟ هنا يطرح النقاش ضرورة قدر أكبر من التمحيص والتوازن.
تُظهر المعطيات الدولية ارتفاعاً لافتاً في حالات الاكتئاب والقلق. فمنذ سنة 2019، سجلت حالات الاكتئاب الحاد زيادة تقارب 24%، بينما ارتفعت اضطرابات القلق بأكثر من 47%.
وقد خلّفت جائحة كوفيد-19 آثاراً عميقة على المستوى النفسي والاجتماعي، من عزلة وفقدان للأقارب وضغوط اقتصادية متزايدة، إلى جانب الخوف المستمر من المستقبل، وهي كلها عوامل ساهمت في إضعاف التوازنات النفسية لدى فئات واسعة من السكان.
في المقابل، يمكن تفسير جزء من هذا الارتفاع أيضاً باعتبارات إيجابية مرتبطة بتطور أدوات التشخيص.
فقبل ثلاثين سنة، كان العديد من الأشخاص يعانون من اضطرابات نفسية دون أن يتم تشخيصهم، في ظل طابع من الوصم الاجتماعي الذي كان يطبع موضوع الصحة النفسية في كثير من المجتمعات. أما اليوم، فقد أصبحت وسائل الكشف أكثر دقة، كما تحسنت كفاءة المهنيين، وأصبح الحديث عن الصحة النفسية أكثر انفتاحاً.
وبالتالي، فإن جزءاً من الارتفاع المسجل يعكس ببساطة تحسناً في رصد هذه الاضطرابات، وليس فقط تفاقماً في الوضع الصحي.
ومن غير الدقيق القول إن العالم أصبح أكثر اكتئاباً بمرتين مقارنة بسنة 1990، لكن من المؤكد أننا أصبحنا اليوم أكثر قدرة على التعرف على هذا الألم وقياسه بشكل أدق، وعليه، فإن تطور الأرقام يعكس في آن واحد تفاقماً حقيقياً لبعض عوامل الخطر، وتقدماً في قدرات التشخيص والرصد.
تتقاطع في الحالة المغربية عدة مستويات من العوامل التي تفسر تعقيد وضع الصحة النفسية :
أولاً، العامل الاقتصادي يشكل أحد أبرز المحركات. فعدم الاستقرار المهني، وارتفاع كلفة السكن، وصعوبة الولوج إلى بعض الخدمات الأساسية، إضافة إلى الضغوط المرتبطة بالقدرة الشرائية، كلها عناصر تهيئ بيئة مناسبة لظهور القلق المزمن لدى فئات واسعة من المجتمع.
ثانياً، العامل الاجتماعي لا يقل أهمية. إذ تعرف البنية الأسرية تحولات تدريجية، ورغم استمرار قوة الروابط العائلية التقليدية، فإنها لم تعد تؤدي دائماً نفس الدور السابق في الدعم النفسي والاجتماعي. كما أن تسارع وتيرة الحياة في المدن قلّص في كثير من الحالات من مساحة الحوار والاستماع داخل الأسر والعلاقات اليومية.
ويشير عدد من المختصين في المغرب إلى مجموعة من العوامل الإضافية مثل الفقر، وانعدام الأمن، والعنف، والإساءة، وتراجع الروابط الاجتماعية، وهي عوامل تتقاطع مع ما تعيشه العديد من المجتمعات الأخرى في العالم، بما فيها المغرب.
ثالثاً، يتعلق الأمر بمنظومة الرعاية الصحية. فرغم بعض التحسن المسجل في السنوات الأخيرة، لا يزال الولوج إلى خدمات الطب النفسي وعلم النفس والبنيات المتخصصة محدوداً في عدد من المناطق. كما تظل المدن الكبرى تستحوذ على الجزء الأكبر من العرض الصحي، في حين تواجه بعض الجهات صعوبات كبيرة في الاستفادة من هذه الخدمات.
ويؤدي هذا الوضع إلى ما يمكن وصفه بـ”المعاناة المزدوجة”: معاناة مع المرض النفسي من جهة، وغياب الجهة التي يمكن اللجوء إليها من جهة أخرى.
وتلفت الدراسة الانتباه أيضاً إلى معطى مهم يتمثل في كون النساء أكثر عرضة للإصابة بالاضطرابات النفسية المسببة للإعاقة. ويُعزى ذلك إلى عوامل متعددة، من بينها التعرض للعنف، والتمييز، والهشاشة الاجتماعية.
وفي السياق المغربي، تفرض هذه المعطيات تجاوز المقاربة الطبية الضيقة، فالصحة النفسية ليست مرتبطة فقط بالأدوية أو الجلسات العلاجية، بل هي أيضاً نتاج للبيئة الاجتماعية، وظروف العمل، ومستوى الأمن، والاستقلال الاقتصادي، وجودة العلاقات الإنسانية.
وحين تتراكم الأعباء الأسرية والمهنية والاقتصادية على المرأة، تصبح التداعيات النفسية غالباً غير مرئية، إلى أن تتحول إلى حالة يصعب تجاهلها، لذلك، فإن الوقاية يجب أن تدمج هذا البعد الاجتماعي أيضاً
وزير الصحة المقبل سيكون أمام ورش تاريخي
يبدو أن الدرس الأهم من هذه الدراسة يتمثل في كون الصحة النفسية لم تعد تحتمل أن تظل ملفاً ثانوياً داخل السياسات العمومية.
فوزير الصحة المقبل سيجد أمامه حزمة من الملفات الثقيلة، من بينها تعميم الحماية الاجتماعية، وتحديث البنيات التحتية الصحية، والتحول الرقمي للمنظومة الصحية، إضافة إلى النقص الحاد في الموارد البشرية.
غير أنه سيكون مطالباً أيضاً بالإجابة عن سؤال أصبح محورياً: كيف يمكن ضمان الرفاه النفسي للمغاربة؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تكون طبية فقط، بل ستتجاوز الإطار الصحي لتشمل المدرسة، والمقاولات، ووسائل الإعلام، والجماعات الترابية، والجمعيات، والأسرة. كما ستتطلب تكوين عدد أكبر من المهنيين المتخصصين، وإعادة توزيع عادلة للخدمات الصحية على المستوى الترابي، إلى جانب إطلاق حملات وطنية للتوعية، ومحاربة
الوصم الاجتماعي المرتبط بالاضطرابات النفسية.
لأن زيارة طبيب نفسي أو أخصائي نفسي لا ينبغي أن تُعتبر أبداً علامة ضعف، بل هي فعل من أفعال العناية بالصحة.
قبل سنوات قليلة فقط، كانت الصحة النفسية تحظى بحضور محدود داخل النقاش العمومي في المغرب، لكن الأرقام العالمية اليوم تؤكد أنها أصبحت مؤشراً أساسياً من مؤشرات التنمية البشرية.
ويمتلك المغرب مؤهلات مهمة، من بينها شباب واسع، ونسيج اجتماعي ما زال يحتفظ بدرجة من التضامن الأسري، إلى جانب إصلاحات عميقة في قطاع الصحة التي انطلقت تحت التوجيهات الملكية.
غير أن معطيات The Lancet تحمل إنذاراً واضحاً : فبناء الطرق والموانئ والملاعب والبنيات التحتية الحديثة لا يكفي وحده، لأن إهمال الصحة النفسية للمواطنين يؤدي إلى تآكل تدريجي في رأس المال البشري للبلاد بشكل غير مرئي.
وسيجد وزير الصحة المقبل على مكتبه عدداً كبيراً من الملفات المستعجلة، لكن الصحة النفسية لم تعد مجرد ملف ضمن ملفات أخرى، بل أصبحت أحد أبرز التحديات الوطنية في العقد القادم
الأرقام الرسمية للصحة النفسية في المغرب
ما يقارب مغربي واحد من كل اثنين يعاني من اضطرابات نفسية
أكثر رقم يتم تداوله هو 48.9%: أي أن المغاربة الذين عانوا أو سيعانون أو يعانون من اضطراب نفسي خلال حياتهم. التفاصيل: الاكتئاب 26%، اضطرابات القلق 9%، الاضطرابات الذهانية 5.6%، الفصام 1%.
عرض عمومي ضعيف جداً
في سنة 2025، يتوفر المغرب على 11 مستشفى للأمراض النفسية، و1.508 سرير فقط، و319 طبيباً نفسياً في القطاع العام، وفق معطيات SNRTnews.
موارد بشرية في تحسن طفيف لكنها ما تزال محدودة
تشير المعطيات إلى وجود 319 طبيباً نفسياً في القطاع العام، و274 في القطاع الخاص، و62 طبيباً نفسياً للأطفال في القطاع العام، و14 في القطاع الخاص، إضافة إلى 1.700 ممرض متخصص في الصحة النفسية. كما تم الإعلان عن 123 منصباً مالياً خلال 2024-2025، منها 34 طبيباً نفسياً و89 ممرضاً متخصصاً.
خصاص بنيوي مزمن مرتبط بنقص الاستثمار
يتعلق الأمر بـ2.431 سريراً و454 طبيباً نفسياً فقط، مع غياب معطيات شاملة ودقيقة حول حجم الاستثمار العمومي في مجال الصحة النفسية.