كتاب الرأي

الشباب : متغير اقتصادي مرن أم قلب نابض للاقتصاد المغربي؟


لا يعد إصدار أي ميثاق عملاً محايدًا أبدًا، فإصدار الميثاق الوطني للشباب في 11 يناير، مرفقًا بدعوة للانخراط فيه وتخصيص سبعة عشر مقالا اقتصاديًا تحليليا معمقًا، يمثل قرارًا تحريرياً واضحًا : اعتبار الشباب قضية مركزية في السياسة الاقتصادية، لا مجرد موضوع هامشي



بقلم عدنان بنشقرون - ترجمة عائشة بوسكين

لطالما ظل النقاش حول الشباب في المغرب متأرجحًا بين نهجين غير كافيين. من جهة، نهج اجتماعي يرتكز على مبدأ التعاطف، والذي يكون في الغالب مبالغا فيه. ومن جهة أخرى، نهج يعتمد على الخطاب الاحتفالي، حيث يُشاد بالشباب باعتباره “مستقبل البلاد” دون دمجه فعليًا في آليات اتخاذ القرار أو الإنتاج أو خلق القيمة. وبين هذين النهجين يوجد فراغ واضح: الاقتصاد الفعلي للشباب

 ميثاق 11 يناير جاء لسد هذا الفراغ، ليس من خلال تقديم برنامج جاهز للتنفيذ، بل عبر وضع إطار تحليلي متكامل : يشمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، مهارات القرن الحادي والعشرين، والمشاركة في القرار العام، والنزاهة والاستحقاق، أي الشروط الهيكلية التي بدونها لا يمكن تحقيق أي نمو مستدام 

لماذا تختار أسبوعية " إيكو- بيزنيس" نشر هذا النص وتكريس سلسلة كاملة له؟

لأن الأرقام وحدها لم تعد تكشف الجوهر. بطالة الشباب، توسع الاقتصاد غير المهيكل، هجرة الأدمغة، ضعف الثقة في المؤسسات، وانخفاض الإنتاجية : جميع هذه الظواهر مترابطة، وتعكس ضعف دمج الشباب في النموذج الاقتصادي الوطني

إن إصدارنا لسبعة عشر مقالا في هذا العدد الخاص ليس دعوة نضالية، ولا تمرينًا أكاديميًا، بل تحليلات اقتصادية صرفة. تعتبر التوجيه الدراسي أداة لاستغلال الكفاءات، والتكوين المهني رافعة للتنمية الجهوية، والصحة النفسية بنية تحتية غير مرئية للقدرة التنافسية، والاستحقاق شرطًا أساسيًا للنمو. ويظل السؤال نفسه مطروحًا في كل تحليل: ما الثمن الاقتصادي للتقاعس، وما المكسب الذي يمكن أن يوفره إصلاح محكم التخطيط؟

يتبنى هذا الملف قناعة راسخة : الشباب ليس مشكلة يجب دبيرها، بل موردا استراتيجيا لم يُستثمر بالشكل الأمثل. في بلد شاب، يعني إهمال الشباب فقدان النمو. أما إشراكه فعليًا في القرارات، وتأمين مساراته، وتقدير مهاراته، وضمان عدالة قواعد اللعبة، فهو يشكل واحدًا من أكثر الاستثمارات العمومية جدوى وربحية على المدى البعيد

لذلك، فإن الدعوة للتوقيع والانخراط في الميثاق لا تقتصر على كونها  إجراء رمزيا، بل تمثل التزامًا أخلاقيًا جماعيًا موجّهًا للفاعلين العموميين، والشركات، والأحزاب، والنقابات، والمجتمع المدني، وأيضًا موجه للشباب أنفسهم. فالموافقة على الميثاق لا تعني تأييد كل نص فيه، بل الاعتراف بأن الوضع الراهن أصبح غير مستدام اقتصاديًا.

بحلول عام 2040، سيخوض المغرب مباراة حاسمة. إما أن يحوّل عائده الديمغرافي إلى قوة دافعة للرخاء، أو يترك اقتصاد الإحباط والاستسلام والانحطاط يستقر. بين هذين المسارين، لا توجد طرق مختصرة، بل خيارات واضحة ومسؤولة

من خلال نشر هذا الميثاق والتحليلات المصاحبة له، تتخذ أسبوعيتنا موقفها الواضح : فتح نقاش اقتصادي جاد حول الشباب، بعيدًا عن الشعارات والمظاهر. لأن الشباب ليس مجرد مستقبل البلاد، بل هو بالفعل الحاضر الاقتصادي الفعلي، وهذا الحاضر يستحق أكثر من مجرد خطاب




الجمعة 9 يناير 2026
في نفس الركن