وتأتي مخارج الطريق السيار بسرعة أكبر مما نتخيل، بعضهم يختارها طوعًا، معتبرًا أن رحلته قد انتهت. وآخرون يُجبرون عليها بعد حادث انتخابي، أو خطأ استراتيجي، أو ببساطة لأن الزمن قام بدوره.
في السياسة، هناك خاصية لافتة: من يدخلها يعتقد غالبًا أنه سيبقى طويلًا، بينما من يغادرها يكتشف أن الطريق السيار يستمر بدونه، كما توجد أيضًا مناطق الاستراحة.
وهي نادرة وغالبًا ما يُقلّل من قيمتها. فالمسؤول الذي لا يتوقف أبدًا ينتهي به الأمر إلى قيادة مرهقة. والحزب الذي يرفض أي لحظة مراجعة ينتهي به المطاف إلى السير بشكل آلي، دون أن يعرف لماذا أو إلى أين يتجه.
ولا ينبغي أن ننسى الرادارات.
تأخذ أسماء مختلفة : الرأي العام، وسائل الإعلام، شبكات التواصل الاجتماعي، المناضلون، الناخبون. لا تعاقب دائمًا بشكل فوري، لكنها تسجّل كل شيء. فالمخالفة التي قد ينساها صاحبها تبقى أحيانًا محفورة في الذاكرة الجماعية.
وأخيرًا، هناك الوجهة.
ومن الغريب أن الكثيرين يتحدثون عن الطريق، وعن المركبات، والتجاوزات، والرسوم، والمخارج، لكن قلة منهم تتحدث فعليًا عن الوجهة. ومع ذلك، فهي التي يفترض أن تبرر الرحلة.
لأن الطريق السيار لا معنى له إذا لم يؤدِّ إلى مكان ما. والسياسة كذلك.
ولعل الفرق بين رجل دولة وسائق سياسي عادي يكمن هنا : الأول يحدّق في الأفق، بينما الثاني لا يرى سوى المركبة التي يقودها
وعلى الطريق السيار السياسي، ليس الأسرع دائمًا هو الأذكى، غالبًا ما يكونون أولئك الذين يعرفون إلى أين يتجهون
ثم هناك الازدحامات المرورية
على الطريق السيار، تظهر أحيانًا من دون سبب واضح. الجميع يبطئ، ولا أحد يعرف تمامًا لماذا. في السياسة، يحدث الأمر نفسه غالبًا. تتوقف الإصلاحات، وتتعثر القرارات، وتمنع الصراعات مرور الأفكار. كل طرف يتهم الآخر بأنه سبب الاختناق، بينما الحقيقة في كثير من الأحيان أن تراكم المصالح المتناقضة هو ما يشلّ الحركة ككل.
في مثل هذه اللحظات، ينظر المواطنون إلى ساعاتهم. لا يعودون مهتمين بمعرفة من المخطئ ومن المصيب، بل يريدون فقط أن تستأنف حركة السير. لأن البلد عندما يتوقف، يخسر الوقت والطاقة وأحيانًا حتى الأمل.
كما توجد أيضًا مخارج نحو الطرق الفرعية أو المحيطية.
يمر العديد من المسؤولين السياسيين عبر هذه المسارات خلال جزء من مسارهم. يغادرون مؤقتًا الطريق السيار المركزي للسلطة نحو مسارات الجماعات المحلية، والجهات، والجماعات الترابية، والنقابات، والجمعيات، أو المؤسسات الوسيطة. بعضهم يكتشف هناك الواقع الميداني الحقيقي، بينما يضيع آخرون فيه.
لكن هدف الكثيرين يبقى نفسه : الوصول إلى مركز المدينة. والمركز هنا هو الأغلبية والحكومة.
هناك تتقاطع كبرى محاور حركة السلطة. هناك تتحول الوعود إلى قيود الميزانية، وإلى توازنات سياسية، وإلى واقع إداري معقد. من بعيد، يبدو الحكومة كوجهة نهائية، لكن من قريب تبدو كأنها مفترق طرق ضخم تتقاطع فيه الطموحات والمسؤوليات والضغوط اليومية.
ففي النهاية، الحكم ليس قيادة سيارة منفردة على طريق فارغ. الحكم هو إدارة قافلة كاملة دون حوادث، ودون ترك أحد على جانب الطريق، ودون فقدان الوجهة النهائية، وهنا بالضبط يصبح الطريق السيار السياسي في غاية التعقيد
في الختام، لا يمكن تجاهل حوادث السير
توجد هذه الحوادث على كل الطرق السيارة، والسياسة ليست استثناءً.
بعض الحوادث تكون نتيجة السرعة المفرطة. وأخرى بسبب سوء تقدير المسافات، أو تغيير المسار بشكل متهور، أو الثقة الزائدة في القدرات الذاتية. كما يحدث أحيانًا أن سائقين في غاية الحذر يصبحون ضحايا أخطاء الآخرين.
في السياسة، تأخذ هذه الحوادث أسماء مختلفة : فضائح، أزمات، خيانات، أخطاء تقدير، وعود غير واقعية، تضارب مصالح، أو ببساطة أخطاء بشرية. وقد تُنهي بشكل مفاجئ مسارًا سياسيًا كان يُعتقد أنه طويل ومفتوح.
لكن بخلاف حوادث السير العادية، فإن الأضرار لا تقتصر دائمًا على السائقين فقط، بل تمتد إلى الركاب. وفي الديمقراطية، الركاب هم المواطنون، ولهذا فإن المسؤولية السياسية مسألة بالغة الجدية. فعندما يفقد منتخب أو وزير أو رئيس حكومة السيطرة على “مركبته”، فإن الثمن لا يدفعه وحده.
ثم هناك نوع آخر من الحوادث، أكثر خفاءً : اصطدام الأنا بأنا آخر.
تلك اللحظات التي يرفض فيها طموحان التنازل عن المرور. حين يصرّ زعيمان على التقدم في الوقت نفسه. وحين تفضّل تشكيلات سياسية التصادم بدل التعاون. يتباطأ السير، وتتراكم الخسائر، وفي الأثناء ينتظر البلد على جانب الطريق.
قد لا تكمن الحكمة الحقيقية في القيادة بسرعة، بل في الوصول إلى الوجهة مع جميع الركاب. لأن السياسة في النهاية ليست سباق سيارات، ولا رالي، ولا منافسة استعراضية.
إنها رحلة جماعية طويلة، وعلى هذا الطريق السيار المعقد الذي يُسمى السياسة، لا يطلب المواطنون سائقي فورمولا 1، بل ينتظرون فقط سائقين مسؤولين