كتاب الرأي

السياسة، ذلك الطريق السيار الغريب والمعقد


من الواضح أنه لا يوجد طريق سيار سياسي واحد فقط، فكما هو الحال في بلد حديث، فإن الشبكة أوسع بكثير وأكثر تعقيدًا.

هناك أولًا الطرق السيارة الكبرى للسياسة الوطنية. وهي التي تقود إلى الحكومات، والبرلمانات، وقيادات الأحزاب، وإلى كبرى القرارات التي ترسم مستقبل البلاد. هناك تتحرك “الشاحنات الثقيلة” للحياة العامة، تحت مراقبة دائمة لوسائل الإعلام والرأي العام.

لكن هناك أيضًا طرق وطنية سياسية أخرى. وهي التي تقود إلى المجالس الجهوية، والمدن الكبرى، والمؤسسات الوسيطة. حركة السير فيها أقل كثافة، لكن المسؤوليات فيها لا تقل أهمية. ففي الغالب، هناك يلتقي المواطنون فعليًا مع العمل العمومي على أرض الواقع.

ثم تأتي الطرق الثانوية. أقل ظهورًا وأضعف حضورًا في الإعلام، لكنها ضرورية لسير المنظومة ككل. وهي المجالس الإقليمية، والبنيات المحلية، وهيئات القرب التي تُتخذ فيها قرارات تمس الحياة اليومية مباشرة.

وأخيرًا، هناك المسالك القروية للسياسة. وهي مسالك الجماعات القروية، والدواوير، والمجالات البعيدة عن مراكز القرار الكبرى. قد تكون الطرق فيها أضيق وأحيانًا أكثر وعورة، لكنها تخدم مواطنين لهم نفس الحقوق ونفس التطلعات مثل باقي المواطنين.

وهكذا تبدو السياسة كشبكة طرقية هائلة، يعتمد فيها كل مستوى على الآخر.

يمكن أن يكون المرء رئيس بلدية دون أن يصبح وزيرًا. ويمكن أن يترأس جماعة دون أن يحلم بالبرلمان. ويمكن أن يكرّس حياته كلها لخدمة الشأن العام المحلي دون أن يسلك يومًا الطرق السيارة للسلطة المركزية.

لكن في كل المستويات، تبقى القواعد نفسها : أن تعرف إلى أين تتجه، وأن تحترم باقي مستعملي الطريق، وأن تتجنب المخارج المتهورة، وألا تنسى أبدًا أن الطريق لا يملكها السائقون، بل إنها ملك لمن يتم نقلهم.

فلنأخذ الطريق معًا ولنراقب هذه الآلية الغريبة التي تُسمى السياسة، بما فيها من طرق سريعة، وطرق مدارية، ونقط أداء، واختناقات مرورية، وحوادث… وأحيانًا حتى الوصول إلى الوجهة



بقلم : عدنان بنشقرون

السياسة، ذلك الطريق السيار الغريب والمعقد


في الظاهر، يبدو كل شيء بسيطًا. القواعد معلنة، والإشارات واضحة، وحدود السرعة معروفة للجميع. نظريًا، كل واحد يعرف إلى أين يتجه وكيف عليه أن يقود.


لكن الواقع أكثر تعقيدًا بقليل.


على الطريق السيار السياسي، السرعة محدودة. من يسرع أكثر من اللازم يلفت الانتباه سريعًا، وقد يتسبب في حوادث أو يفقد السيطرة. القفزات السياسية السريعة موجودة، لكنها نادرة. ومعظم المسؤولين الذين يستمرون طويلًا هم أولئك الذين يعرفون متى يسرّعون، والأهم متى يبطئون.


ثم هناك محطات الأداء (الأداءات/الرسوم).

لا أحد يحب محطات الأداء، ومع ذلك فهي موجودة في كل مكان. كل تقدّم له كلفة. تسوية يجب قبولها. صبر ينبغي تحمّله. ولاء يجب إثباته. وتنازل يجب تقديمه. يعتقد البعض أن الطريق مجاني؛ لكنهم يكتشفون سريعًا أن كل مرحلة مهمة تتطلب ثمنها، أحيانًا في الوقت، وأحيانًا في الطاقة، وأحيانًا في القناعات.


كما يجب البقاء داخل المسار

السائقون المتهورون يغيّرون المسارات باستمرار بين الخطوط. يظنون أنهم يربحون الوقت، لكنهم غالبًا ما يخسرون المصداقية. في السياسة، تغيير الرأي أحيانًا علامة ذكاء، لكن تغيير المعسكر كل ستة أشهر غالبًا ما يكون اعترافًا بالانتهازية.


لا يتم مغادرة المسار إلا من أجل التجاوز

وحتى ذلك، يجب أن يكون التجاوز محسوبًا. التحقق من المرايا، مراقبة حركة السير، اختيار اللحظة المناسبة. من يغير المسار دون انتباه يسبب اصطدامات. ومن يتجاوز لمجرد المتعة غالبًا ما ينتهي به الأمر على كتف الطريق في هامش التاريخ.


ثم تأتي التقاطعات الكبرى (المدارات)

تلك اللحظات التي تتعدد فيها الاتجاهات في آن واحد: الاستمرار مستقيمًا؟ التوجه نحو الأغلبية؟ الالتحاق بالمعارضة؟ إنشاء حركة جديدة؟ التحالف أم المقاومة؟


خطأ واحد في الخروج قد يجعلك تقطع عشرات الكيلومترات قبل أن تعود إلى المسار الصحيح. بعض القرارات السياسية يمكن تصحيحها في أسابيع قليلة، بينما قرارات أخرى تلاحق صاحبها طوال مسيرته السياسية


ثم هناك مخارج الطريق السيار


وتأتي مخارج الطريق السيار بسرعة أكبر مما نتخيل، بعضهم يختارها طوعًا، معتبرًا أن رحلته قد انتهت. وآخرون يُجبرون عليها بعد حادث انتخابي، أو خطأ استراتيجي، أو ببساطة لأن الزمن قام بدوره.


في السياسة، هناك خاصية لافتة: من يدخلها يعتقد غالبًا أنه سيبقى طويلًا، بينما من يغادرها يكتشف أن الطريق السيار يستمر بدونه، كما توجد أيضًا مناطق الاستراحة.


وهي نادرة وغالبًا ما يُقلّل من قيمتها. فالمسؤول الذي لا يتوقف أبدًا ينتهي به الأمر إلى قيادة مرهقة. والحزب الذي يرفض أي لحظة مراجعة ينتهي به المطاف إلى السير بشكل آلي، دون أن يعرف لماذا أو إلى أين يتجه.


ولا ينبغي أن ننسى الرادارات.


تأخذ أسماء مختلفة : الرأي العام، وسائل الإعلام، شبكات التواصل الاجتماعي، المناضلون، الناخبون. لا تعاقب دائمًا بشكل فوري، لكنها تسجّل كل شيء. فالمخالفة التي قد ينساها صاحبها تبقى أحيانًا محفورة في الذاكرة الجماعية.


وأخيرًا، هناك الوجهة.


ومن الغريب أن الكثيرين يتحدثون عن الطريق، وعن المركبات، والتجاوزات، والرسوم، والمخارج، لكن قلة منهم تتحدث فعليًا عن الوجهة. ومع ذلك، فهي التي يفترض أن تبرر الرحلة.


لأن الطريق السيار لا معنى له إذا لم يؤدِّ إلى مكان ما. والسياسة كذلك.


ولعل الفرق بين رجل دولة وسائق سياسي عادي يكمن هنا : الأول يحدّق في الأفق، بينما الثاني لا يرى سوى المركبة التي يقودها


وعلى الطريق السيار السياسي، ليس الأسرع دائمًا هو الأذكى، غالبًا ما يكونون أولئك الذين يعرفون إلى أين يتجهون


ثم هناك الازدحامات المرورية


على الطريق السيار، تظهر أحيانًا من دون سبب واضح. الجميع يبطئ، ولا أحد يعرف تمامًا لماذا. في السياسة، يحدث الأمر نفسه غالبًا. تتوقف الإصلاحات، وتتعثر القرارات، وتمنع الصراعات مرور الأفكار. كل طرف يتهم الآخر بأنه سبب الاختناق، بينما الحقيقة في كثير من الأحيان أن تراكم المصالح المتناقضة هو ما يشلّ الحركة ككل.


في مثل هذه اللحظات، ينظر المواطنون إلى ساعاتهم. لا يعودون مهتمين بمعرفة من المخطئ ومن المصيب، بل يريدون فقط أن تستأنف حركة السير. لأن البلد عندما يتوقف، يخسر الوقت والطاقة وأحيانًا حتى الأمل.


كما توجد أيضًا مخارج نحو الطرق الفرعية أو المحيطية.


يمر العديد من المسؤولين السياسيين عبر هذه المسارات خلال جزء من مسارهم. يغادرون مؤقتًا الطريق السيار المركزي للسلطة نحو مسارات الجماعات المحلية، والجهات، والجماعات الترابية، والنقابات، والجمعيات، أو المؤسسات الوسيطة. بعضهم يكتشف هناك الواقع الميداني الحقيقي، بينما يضيع آخرون فيه.


لكن هدف الكثيرين يبقى نفسه : الوصول إلى مركز المدينة. والمركز هنا هو الأغلبية والحكومة.


هناك تتقاطع كبرى محاور حركة السلطة. هناك تتحول الوعود إلى قيود الميزانية، وإلى توازنات سياسية، وإلى واقع إداري معقد. من بعيد، يبدو الحكومة كوجهة نهائية، لكن من قريب تبدو كأنها مفترق طرق ضخم تتقاطع فيه الطموحات والمسؤوليات والضغوط اليومية.


ففي النهاية، الحكم ليس قيادة سيارة منفردة على طريق فارغ. الحكم هو إدارة قافلة كاملة دون حوادث، ودون ترك أحد على جانب الطريق، ودون فقدان الوجهة النهائية، وهنا بالضبط يصبح الطريق السيار السياسي في غاية التعقيد

في الختام، لا يمكن تجاهل حوادث السير


توجد هذه الحوادث على كل الطرق السيارة، والسياسة ليست استثناءً.


بعض الحوادث تكون نتيجة السرعة المفرطة. وأخرى بسبب سوء تقدير المسافات، أو تغيير المسار بشكل متهور، أو الثقة الزائدة في القدرات الذاتية. كما يحدث أحيانًا أن سائقين في غاية الحذر يصبحون ضحايا أخطاء الآخرين.


في السياسة، تأخذ هذه الحوادث أسماء مختلفة : فضائح، أزمات، خيانات، أخطاء تقدير، وعود غير واقعية، تضارب مصالح، أو ببساطة أخطاء بشرية. وقد تُنهي بشكل مفاجئ مسارًا سياسيًا كان يُعتقد أنه طويل ومفتوح.


لكن بخلاف حوادث السير العادية، فإن الأضرار لا تقتصر دائمًا على السائقين فقط، بل تمتد إلى الركاب. وفي الديمقراطية، الركاب هم المواطنون، ولهذا فإن المسؤولية السياسية مسألة بالغة الجدية. فعندما يفقد منتخب أو وزير أو رئيس حكومة السيطرة على “مركبته”، فإن الثمن لا يدفعه وحده.

ثم هناك نوع آخر من الحوادث، أكثر خفاءً : اصطدام الأنا بأنا آخر.


تلك اللحظات التي يرفض فيها طموحان التنازل عن المرور. حين يصرّ زعيمان على التقدم في الوقت نفسه. وحين تفضّل تشكيلات سياسية التصادم بدل التعاون. يتباطأ السير، وتتراكم الخسائر، وفي الأثناء ينتظر البلد على جانب الطريق.


قد لا تكمن الحكمة الحقيقية في القيادة بسرعة، بل في الوصول إلى الوجهة مع جميع الركاب. لأن السياسة في النهاية ليست سباق سيارات، ولا رالي، ولا منافسة استعراضية.


إنها رحلة جماعية طويلة، وعلى هذا الطريق السيار المعقد الذي يُسمى السياسة، لا يطلب المواطنون سائقي فورمولا 1، بل ينتظرون فقط سائقين مسؤولين





الأربعاء 24 يونيو/جوان 2026
في نفس الركن