كتاب الرأي

السيادة الاستراتيجية... نزار بركة يدعو إلى مغرب أكثر استقلالا ومناعة وتأثيرا


خلال ندوة نظمها حزب الاستقلال حول موضوع السيادة الاستراتيجية، قدم الأمين العام للحزب، الدكتور نزار بركة، تصورا شاملا لمفهوم السيادة الوطنية، مؤكدا أنها لم تعد مجرد شعار سياسي، بل أصبحت مشروعا عمليا ينبغي أن يكون قابلا للقياس والتقييم، وأن تنعكس نتائجه مباشرة على حياة المواطنين. واستعرض في هذا السياق خارطة طريق تقوم على خمس دعائم أساسية، تهدف إلى تعزيز قدرة المغرب على مواجهة التحديات الدولية وتحصين استقلاله في ظل عالم يشهد تغيرات متسارعة وأزمات متلاحقة.



بقلم : عدنان ينشقرون

واعتبر بركة أن العالم دخل مرحلة جديدة أصبحت فيها المنافسة تدور حول الموارد، والتكنولوجيا، وسلاسل التزود، والطاقة، والغذاء، والبيانات الرقمية، مما فرض إعادة النظر في معنى السيادة، فلم يعد قياسها يقتصر على حماية الحدود أو استقلال المؤسسات، بل أصبح يشمل أيضا مدى قدرة الدولة على تأمين احتياجات مواطنيها، والتحكم في مواردها الاستراتيجية، وتطوير صناعتها، وامتلاك التكنولوجيا، وحماية معطياتها، وضمان استقلال القرار الوطني.


وشدد الأمين العام لحزب الاستقلال على أن الدعوة إلى السيادة لا تعني الانغلاق أو الانعزال عن العالم، بل تقوم على الانفتاح الواثق، وبناء شراكات متوازنة، والاستفادة من الفرص التي تتيحها العولمة، دون التفريط في المصالح العليا للمغرب أو المساس باستقلال قراره.


وفي أول محاور هذه الرؤية، دعا بركة إلى إنجاز تشخيص دقيق لكل أوجه التبعية الاستراتيجية التي يعرفها الاقتصاد الوطني، فمن غير معرفة دقيقة بحجم الواردات الحيوية، والمكونات التي تعتمد عليها الصناعات المغربية، ودرجة تمركز الموردين، يصبح تقليص هذه التبعيات أمرا صعب المنال.


ومن هذا المنطلق، اقترح إعداد تقرير سنوي يعرض على البرلمان، يقيم مدى أمن التزود، ونسب الاعتماد على الخارج، وتطور القدرات الوطنية، بما يمكن من متابعة المخاطر وقياس التقدم المحقق بشفافية. كما ربط هذا التوجه بالورش الملكي المتعلق بإحداث منظومة وطنية متكاملة للتخزين الاستراتيجي، التي ستساهم في تأمين المواد الغذائية والطاقية والصحية والصناعية في مواجهة الأزمات.


أما المحور الثاني، فخصصه لدور الطلبيات العمومية في بناء القدرات الوطنية. وأكد أن كل استثمار تنفقه الدولة يجب ألا يقتصر أثره على إنجاز مشروع أو بناء أو تجهيز، بل ينبغي أن يساهم في تعزيز المقاولة المغربية، ورفع نسبة الإدماج المحلي، ونقل التكنولوجيا، وتكوين الكفاءات، وتقوية الاستقلال الصناعي والتقني للمملكة.


ودعا في هذا الإطار إلى اعتماد عقيدة وطنية للشراء الاستراتيجي، لا تقيم العروض على أساس الثمن فقط، بل تدخل في الاعتبار القيمة المضافة التي سيحققها المشروع داخل المغرب، وما سيوفره من فرص للشركات الوطنية، وما سينقله من معرفة وخبرة وتكنولوجيا، بما يجعل كل استثمار رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية.


وانتقل بعد ذلك إلى ملف السيادة الغذائية، مؤكدا أن الهدف ليس هو الاكتفاء الذاتي المطلق، بل ضمان استمرارية توفر المواد الأساسية للمواطنين حتى في ظل الجفاف أو الاضطرابات الدولية. ورأى أن ذلك يقتضي التوفيق بين الإنتاج الوطني المستدام، وتنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز البحث العلمي الفلاحي، وتقوية قدرات التخزين.


ومن بين المقترحات التي أولاها أهمية خاصة، إطلاق خطة وطنية للسيادة البذورية، لأن استقلال الإنتاج الفلاحي يبدأ من توفير بذور مغربية ملائمة للجفاف ولخصوصيات التربة والتغيرات المناخية، مع تقليص الاعتماد على البذور المستوردة. وأكد أن السيادة الغذائية لا يمكن أن تنفصل عن السيادة المائية، إذ لا يجوز توسيع الإنتاج على حساب الموارد المائية التي تحتاجها الأجيال المقبلة.


وفي ما يتعلق بالتحول الرقمي، أكد نزار بركة أن البيانات الرقمية أصبحت من أهم أصول الدولة الاستراتيجية، وأن أي دولة لا تمسك بزمام معطياتها ولا تحكم الرقابة على أنظمتها الرقمية تعرض جزءا من سيادتها للمخاطر. ولذلك دعا إلى إطلاق برنامج وطني لتصنيف البيانات العمومية وتأمينها، مع إعطاء الأولوية للمعطيات المرتبطة بالدفاع، والصحة، والطاقة، والماء، والمالية، والخدمات الحيوية.


كما شدد على ضرورة تعزيز القدرات الوطنية في مراقبة البنيات الرقمية، وعقود الحوسبة السحابية، والخوارزميات المستعملة في المرافق الحساسة، مؤكدا أن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الحديثة يجب أن تتم في إطار يضمن السيطرة المغربية على البيانات والقرار الرقمي.


واختتم بركة مداخلته بالتأكيد على أن تعزيز السيادة في الداخل ينبغي أن ينعكس على مكانة المغرب في الخارج. فالمملكة، بفضل الرؤية الملكية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، تمتلك اليوم مقومات كبيرة تؤهلها لتعزيز حضورها الإقليمي، بفضل استقرارها السياسي، وبنياتها التحتية، وقاعدتها الصناعية، وموقعها الاستراتيجي، ودبلوماسيتها النشطة.


ودعا إلى تسريع تنزيل المبادرات الملكية الكبرى، وتعزيز حضور المغرب في إفريقيا، وتقوية دبلوماسيته الثقافية والجامعية والرياضية، وتعبئة الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج، إلى جانب مواصلة الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة، معتبرا أن تنظيم كأس العالم 2030 يمثل فرصة استثنائية لتعزيز إشعاع المغرب على الساحة الدولية.


وفي ختام كلمته، أكد نزار بركة أن الرؤية التي يأتي بها حزب الاستقلال تقوم على مبدأ بسيط لكنه حاسم، وهو أن كل سياسة عمومية ينبغي أن تساهم في تقليص التبعيات، وبناء قدرات وطنية جديدة، ونقل المعرفة والتكنولوجيا إلى المغرب، واعتبر أن السيادة ليست مجرد مفهوم نظري أو خطاب سياسي، بل مسار تنموي متكامل يقاس بالإنجازات والمؤشرات، ويستهدف تعزيز مناعة المملكة، وترسيخ استقلال قرارها، ورفع قدرتها على مواجهة التحولات الدولية بثقة وفعالية



تمت الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في إعداد الترجمة الأولية، فيما تولّت عائشة بوسكين مراجعة النص وتدقيقه وتصحيحه وتحريره لضمان الدقة اللغوية وجودة الصياغة




الجمعة 17 يوليو/جويلية 2026
في نفس الركن