كتاب الرأي

السوق له وجه : ذلك الذي يخص المواطن الذي يدفع


مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، بدأت الخطوط الإيديولوجية تعود تدريجياً إلى النقاش العمومي في المغرب، حيث لم تعد النقاشات بين الأمين العام لحزب الاستقلال ورئيس التجمع الوطني للأحرار مجرد سجال سياسي عابر، بل تحولت إلى تعبير عن سؤال أعمق: من يحمي المواطن عندما تتحول دينامية السوق إلى مصدر ضغط اجتماعي؟



بقلم : عدنان بنشقرون

غالباً ما يُنظر إلى السوق باعتباره آلية مجردة: منحنيات، هوامش، مؤشرات، تدفقات، أسعار. ومع ذلك، فخلف كل ارتفاع في الأسعار وكل ضغط على القدرة الشرائية، توجد حياة يومية حقيقية. للسوق وجه: وجه الأب الذي يحسب قبل ملء سلة التسوق، ووجه الأم التي تغيّر عادات الاستهلاك، ووجه المتقاعد الذي يقلص نفقاته، ووجه الشاب الموظف الذي يكتشف أن راتبه الأول لم يعد كافياً.::
 

هنا يلتقي الاقتصادي بالاجتماعي بشكل مباشر، لأن الأسعار ليست مجرد أرقام، بل تتحول إلى تجربة يومية وإلى تعب صامت وقلق يتسلل إلى النقاشات داخل البيوت وفي سلوك الاستهلاك وحتى في العلاقة مع المستقبل.
 

يشهد المغرب اليوم تحولات هادئة لكنها عميقة، حيث بدأت شريحة من الطبقة الوسطى تشعر بهشاشة جديدة. ليست فقراً مباشراً، بل تراجعاً تدريجياً في مستوى الراحة والوضوح والأمان الاقتصادي. المواطن يعمل أكثر في بعض الأحيان، لكنه يشعر أن مداخيله تفقد قيمتها بشكل أسرع مما يمكنه تعويضه.
 

وهذا الإحساس تحديداً هو ما يجعل النقاش حول قنوات التوزيع حساساً. فعندما يرى المواطنون الأسعار ترتفع بينما تبقى المداخيل ثابتة، يبدأون في البحث عن المسؤولين. يريدون الفهم، ويريدون معرفة من يستفيد فعلياً من سلسلة تجعل كل شيء أكثر كلفة: الخضر، المحروقات، النقل، الغذاء وبعض الخدمات الأساسية.
 

المشكلة بالنسبة للكثيرين ليست في الارتفاع في حد ذاته، بل في الإحساس بالعجز أمامه. فالمواطن المغربي يتقبل فكرة تقلبات الاقتصاد الحديث ويفهم الأزمات الدولية والجفاف والتوترات الطاقية، لكنه يرفض بشكل متزايد غياب أي حماية أمام المضاربات أو الاختلالات.
 

وهنا يصبح البعد الاجتماعي محورياً. فالمجتمع لا يضعف فقط عندما تتراجع المداخيل، بل أيضاً عندما يفقد المواطنون الثقة في عدالة القواعد الاقتصادية. عندما يشعر البعض أن الأعباء دائماً تقع على نفس الفئات، بينما يستمر آخرون في تراكم الأرباح دون رقابة حقيقية.
 

الخطاب حول التنظيم يسعى إلى الاستجابة لهذا القلق الاجتماعي، ليس عبر العودة إلى اقتصاد موجه، بل عبر التأكيد على أن الدولة لا يمكن أن تغيب عندما تصبح الاختلالات واضحة. فاقتصاد غير منظم بشكل كافٍ ينتهي غالباً إلى حماية الأقوى وليس الأضعف.
 

المواطن العادي لا يملك لوبيات ولا قوة تفاوض، وسيلته الوحيدة هي الثقة في المؤسسات العمومية. وعندما يرى الأسعار ترتفع دون فهم واضح للآليات، وعندما يسمع عن هوامش ربح مفرطة دون نتائج ملموسة، تبدأ هذه الثقة في التآكل.
 

ومجتمع يفقد الثقة يصبح أكثر توتراً واستقطاباً، وأكثر عرضة للخطابات المتطرفة. لذلك فإن مسألة القدرة الشرائية تتجاوز الاقتصاد لتصل إلى الاستقرار الاجتماعي والشعور بالانتماء والعلاقة بين الدولة والمجتمع.
 

لقد اعتمد المغرب طويلاً على ثقافة الصبر والتضامن العائلي، لكن حتى هذه القدرة على التحمل لها حدود. فعندما تصبح السلة الاستهلاكية أكثر كلفة كل شهر، وعندما تستحوذ النفقات الأساسية على جزء متزايد من الدخل، يتعزز الإحساس بالظلم بشكل هادئ لكنه مستمر.
 

وفي هذا السياق، تصبح حماية المستهلك مسألة كرامة. فحماية المواطن من بعض اختلالات السوق ليست عملاً إحسانياً، بل اعتراف بأن الاقتصاد يجب أن يبقى في خدمة المجتمع، لا العكس.
 

لا يتعلق الأمر بإدانة الربح، فهو عنصر طبيعي في الاقتصاد، لكن هناك فرق بين ربح ناتج عن خلق قيمة وربح قائم على الغموض أو المضاربة أو الامتيازات غير المتوازنة. الأول يحفز الاقتصاد، والثاني يغذي انعدام الثقة.
 

ولهذا تصبح الشفافية مطلباً اجتماعياً أساسياً: شفافية الأسعار، والهوامش، وسلاسل التوزيع. المواطن لا يطلب المجانية، بل يطلب وضوح القواعد وعدالتها.
 

والخطأ الكبير الذي قد تقع فيه النخب الاقتصادية هو اعتبار هذا النقاش ثانوياً، بينما هو في الواقع أصبح محورياً. لأن فقدان الثقة في العدالة الاقتصادية يؤدي تدريجياً إلى فقدان الثقة في السياسة والمؤسسات، وأحياناً في العقد الاجتماعي نفسه.
 

وهكذا، فإن للسوق وجهاً واضحاً. وليس هذا الوجه هو الأرقام والمؤشرات، بل وجه المواطن الذي يدفع، ويحسب، ويتنازل أحياناً بصمت، وينتظر أن يُثبت له أن الاقتصاد يمكن أن يعمل لصالح الجميع، لا فقط لصالح الأقوى





الجمعة 22 ماي 2026
في نفس الركن