كتاب الرأي

الساعة القانونية : "البيجيدي" حين حكم فرض القرار وحين انتقل للمعارضة انتقده


هناك تحوّلات سياسية تكشف أحيانًا عن المصالح أكثر مما تعكس القناعات، النقاش المستجد حول اعتماد التوقيت الرسمي GMT+1 مثال واضح على ذلك، فالذين ينتقدون اليوم، وبلهجة قوية، تأثير هذا التوقيت على التلاميذ، والعائلات، ومواقيت الصلاة، هم نفسهم الذين أقرّوه أثناء تولّيهم المسؤولية، وفرضوه لفترة طويلة.



بقلم : عدنان بنشقرون

المفارقة صارخة : عندما يكون الحزب في الحكومة، يتم اعتماد GMT+1 بكل صرامة؛ وعندما يصبح في المعارضة، فجأة يتم اكتشاف “ضرره”. بعد ثماني سنوات على تبني هذا القرار أثناء توليه الحكم، ينضم الحزب الآن إلى الاحتجاج الشعبي، كما لو كان شاهدًا على الأحداث لا مشاركًا فيها، هذا التحوّل المتأخر لا يبدو نقدًا ذاتيًا صادقًا، بل محاولة تقليدية لإعادة تدوير السياسة.
 

في 28 مارس 2026، تم تأكيد هذا الموقف الجديد عبر استعراض المآخذ المعتادة على التوقيت الصيفي :  إلزام الأطفال بالذهاب إلى المدارس في الظلام، اضطراب الحياة الأسرية، عدم التوافق مع مواقيت الصلاة، والإرهاق الاجتماعي المتراكم، جميع هذه الحجج صحيحة من الناحية الموضوعية، لكن السؤال البسيط يظل :  لماذا أصبحت هذه المشاكل فجأة لا تُحتمل منذ أن صار الحزب في المعارضة؟
 

الغموض هنا واضح، فانتقاد قرار سبق للمرء أن تبناه، هو بمثابة مطالبة المواطنين بنسيان من قام بماذا، التنديد الحالي يحاول استثمار غضب شعبي حقيقي، لكنه يصطدم بذاكرة سياسية ثابتة :  حين تم فرض هذا التوقيت، لم يكن خصمًا سياسيًا هو من فرضه، بل أولئك الذين يدّعون اليوم أنهم يريدون تصحيح خطأ كانوا جزءًا منه.
 

الأمر الأكثر إثارة هو أن هذا الموقف اليوم يكتسي لباس "الاستماع لرأي الشعب". يُقال إنهم يلبون طلب المواطنين، ويطالبون بدراسة علمية شاملة، ويؤكدون أن المكاسب الطاقية ضئيلة مقارنة بالتكاليف الاجتماعية. كل هذا جيد، لكن هذا الوعي الجديد جاء متأخرًا جدًا. بمجرد الخروج من الحكم، يصبح من السهل اكتشاف معاناة المواطن اليومية.
 

المشكلة ليست فقط في تغيير موقف الحزب، فالتطوّر السياسي يمكن أن يكون مشرفًا إذا صاحبته مسؤولية صريحة عن القرارات السابقة. المشكلة تظهر حين تحل الانتهازية محل الاعتراف. فهناك فرق كبير بين الاعتراف بـ"لقد أخطأنا" والتصرّف كما لو لم نكن يومًا جزءًا من القرار،  هنا يكمن الفرق بين المراجعة الصادقة والمناورات السياسية .
 

في هذه القضية، يستحق النقاش حول GMT+1 أكثر من مجرد إعادة تدوير ظرفية. إنه يحتاج إلى حوار وطني حقيقي، لا مجرد أداء متأخر للمعارضة، في المغرب  المواطنون ضاقوا ذرعا بهذا السيناريو المتكرر : عند تولي الحزب السلطة، يُفرض القرار، وعند انتقاله إلى المعارضة، يتظاهر بالاستنكار. وفي الوقت نفسه، يبقى المواطنون، التلاميذ والأسر، هم من يتحملون كامل تبعات هذه القرارات.
 

هذا التحوّل ليس معزولًا. فهو يذكرنا بلحظة أخرى من المرونة السياسية : تحرير أسعار الوقود والجازوال. هنا أيضًا، قام الحزب ذاته، خلال فترة حكمه، بقرارات أثرت بشكل مباشر على حياة الأسر، قبل أن يكتشف في المعارضة فوائد التنديد الاجتماعي.
 

حين كان في الحكومة، كان الحديث عن الإصلاح، والمنطق الاقتصادي، والشجاعة السياسية؛ أما في المعارضة، فالأمر يتحوّل إلى لغة المعاناة الشعبية، وانخفاض القدرة الشرائية، وظلم السوق.
 

نفس الفاعل، نفس الميكانيزم، نفس راحة الموقف عن بعد : اتخاذ قرارات غير شعبية باسم "الواقعية" أثناء الحكم، ثم انتقاد آثارها باسم الشعب عند عدم تحملها سياسيًا، ومع تكرار هذا النمط، يتحول الخطاب ليس إلى قناعة حقيقية، بل إلى منهجية : حكم بلا ذاكرة، ومعارضة بلا محاسبة





الخميس 2 أبريل 2026
في نفس الركن