كتاب الرأي

الروبوتات البشرية : لا، لم يعد الأمر موضوعًا مؤجلاً إلى 2050، بل إلى 2030


لم يعد السؤال : «هل ستصل الروبوتات البشرية يومًا ما؟» بل السؤال الحقيقي أصبح الآن : «هل سنكون مستعدين عندما ستصبح أمرًا عاديًا؟



بقلم : عدنان بنشقرون

لم يكن هذا الموضوع  سوى جزء مريح من خيال العلم. كانت الروبوتات البشرية تُرى كآلات بعيدة تظهر في الأفلام أو المعارض التكنولوجية أو المقاطع المنتشرة، مع مزيج من السخرية والشك الذي يسمح بإبعاد الفكرة عن الواقع. كان يُقال 2050، ربما، يومًا ما، بعيدًا جدًا عن قلق أي عامل أو نقابة أو صندوق تقاعد أو وزارة مالية أو رب عمل.
 

لكن هذا الأفق الذهني لم يعد صحيحًا. التاريخ الحقيقي لم يعد 2050، بل 2030، وفي الواقع، جزء من هذا التحول بدأ بالفعل.
 

الموضوع لم يعد يتعلق بما إذا كانت الروبوتات البشرية ستأتي فجأة لتحل محل جميع العمال. هذا تصور مبسط يضيع النقاش. السؤال الحقيقي أكثر دقة وبالتالي أكثر خطورة: منذ متى تصبح آلة مزودة بالذكاء الاصطناعي وقادرة على الحركة داخل بيئة بشرية والتفاعل مع الأشياء وتنفيذ مهام متكررة والتعلم عبر التدريب منافسًا اقتصاديًا للعمل البشري؟ هذا السؤال لم يعد نظريًا، بل أصبح صناعيًا.


في عام 2025، داخل مصنع BMW في سبارتانبورغ بالولايات المتحدة، تم اختبار روبوتات بشرية من طراز Figure 02 في ظروف إنتاج حقيقية، وساهمت في تصنيع أكثر من 30 ألف سيارة BMW X3، عبر العمل عشر ساعات يوميًا، من الاثنين إلى الجمعة. لم يكن الأمر مجرد حملة دعائية، بل تجربة داخل سلسلة إنتاج فعلية، الدلالة هنا قوية: الروبوت البشري لم يعد مجرد آلة للعرض أو الاستعراض، بل دخل المصنع.


وقد أعلنت BMW في 2026 عن مشروع تجريبي في لايبزيغ يتعلق بما يسمى “الذكاء الاصطناعي المادي”، أي ذكاء لا يكتفي بالنصوص أو الصور، بل يتفاعل مع العالم المادي. إنها نقلة كبيرة: الذكاء الاصطناعي يخرج من الشاشة ويدخل الورشة.


شركة مرسيدس بدورها تسير في الاتجاه نفسه، حيث تختبر روبوتات Apollo من شركة Apptronik لأعمال لوجستية داخلية ونقل مكونات وفحص الجودة، في إطار تحول نحو “المصانع الرقمية”، مع التركيز على المهام المتكررة والصعبة وغير الجذابة للبشر.


المنطق نفسه يظهر في قطاع اللوجستيك، حيث تم نشر روبوت Digit من شركة Agility Robotics في بيئات صناعية حقيقية، خصوصًا في مستودعات قرب أتلانتا. هذا الروبوت لا يفكر في المستقبل، بل يعمل: ينقل ويحرك وينفذ مهامًا مادية متكررة داخل فضاءات مصممة أصلاً للبشر.


حتى المطارات دخلت هذا المسار. في اليابان، تخطط شركة Japan Airlines لتجربة روبوتات بشرية في مطار هانيدا بطوكيو ابتداءً من 2026 للمساعدة في نقل الأمتعة والبضائع، هكذا يخرج النقاش من نطاق التكنولوجيا إلى نطاقات أخرى: سوق العمل، القانون، المالية العامة، الحماية الاجتماعية والسياسات الصناعية.


الصين بدورها تتحرك بسرعة، حيث يتم تدريب الروبوتات البشرية على مهام دقيقة مثل فتح الأبواب أو التعامل مع المفاتيح. هذه التفاصيل الصغيرة هي أساس التحول الكبير، لأن تراكم المهارات البسيطة هو ما يسمح للروبوت بالدخول لاحقًا إلى مهام معقدة.


كما أن الصين أنشأت مراكز ضخمة لتدريب الروبوتات في بيئات تحاكي الواقع المنزلي والصناعي، بهدف تسريع التعلم على نطاق واسع، لأن الروبوتات تحتاج إلى “تجربة العالم” كما يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى البيانات.


وهنا يصبح أفق 2030 منطقيًا: ليس بسبب انتشار شامل وفوري، بل بسبب توسع تدريجي في الاستخدام داخل قطاعات محددة مثل السيارات، التخزين، المطارات، النظافة، الصيانة والمراقبة، حتى المجال الإعلامي دخل على الخط، حيث ظهرت روبوتات بشرية في عروض احتفالية بالصين، وأصبحت جزءًا من الصورة الوطنية والتنافس الصناعي.


وفي 2026، تمكن روبوت من إنهاء نصف ماراثون في زمن أقل من الرقم البشري الرسمي، وهو ما يعكس تطورًا سريعًا في الحركة والتحمل، حتى لو لم يعكس بعد القدرة على العمل الذكي المعقد، كما تم تطوير “جلد إلكتروني” قادر على الإحساس باللمس والضغط والتلف، ما يجعل الروبوت أكثر أمانًا في بيئة العمل المشتركة مع البشر.


لكن السؤال الأهم اقتصاديًا هو : ماذا يحدث للنظام الاجتماعي إذا أصبح جزء متزايد من الإنتاج يتم عبر آلات لا تتقاضى أجورًا ولا تساهم في الضرائب بالطريقة التقليدية؟


إذا أصبحت المصانع تنتج أكثر بعمال أقل، فإن الإنتاجية ترتفع، لكن تمويل النظام الاجتماعي قد يتأثر. من سيدفع الضرائب؟ الدولة؟ الشركات؟ أم سيتم التفكير في نماذج جديدة مثل فرض ضرائب على الروبوتات؟ هنا يظهر تحول عميق : من اقتصاد يعتمد على العمل البشري إلى اقتصاد يعتمد على رأس مال ذكي آلي.


لكن لا يجب الوقوع في المبالغة. الروبوتات لا تزال مكلفة، محدودة، وتعاني من مشاكل الطاقة والمرونة والتكيف. وفي العديد من الحالات، يظل الإنسان أكثر كفاءة ومرونة.


مع ذلك، التجربة التاريخية تقول إن التكنولوجيا لا تحتاج إلى الكمال لتغير سوق العمل، بل فقط إلى مستوى كافٍ من الجدوى الاقتصادية، لذلك، النقاش الحقيقي ليس حول منع الروبوتات، بل حول كيفية توزيع فوائدها، وحماية سوق العمل، وإعادة التفكير في الضرائب والتكوين المهني والمسؤولية القانونية والسيادة الصناعية.


وبالنسبة للمغرب، فإن التأثير لن يكون مباشرًا بنفس سرعة الدول الصناعية الكبرى، لكنه سيكون غير مباشر عبر سلاسل الإنتاج العالمية، خصوصًا في السيارات والطيران والخدمات واللوجستيك.


الخطر ليس في الروبوت نفسه، بل في التأخر عن فهم التحول، لأن الدول التي لا تنتج هذه التقنيات ستصبح مجرد مستهلكة لها، في النهاية، الروبوتات البشرية لم تعد فكرة مستقبلية بعيدة، بل بداية واقع يتشكل تدريجيًا.


والسؤال لم يعد : هل ستصل هذه الروبوتات؟
بل : ماذا سنفعل عندما تصبح جزءًا من الاقتصاد اليومي؟





الثلاثاء 5 ماي 2026
في نفس الركن