كتاب الرأي

الذكاء الاصطناعي : البعض يمنعه، والبعض يعمّمه… ماذا عن المغرب ؟


اختارت النرويج، وهي من أكثر الدول الأوروبية رقمنة، التريّث بدل الانسياق وراء التطور السريع : منع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي بالنسبة للتلاميذ من 6 إلى 13 سنة، مع استعمال مراقَب في المرحلة الإعدادية، وتكوين مسؤول في المرحلة الثانوية. هذا القرار يطرح تساؤلات مهمة أمام المغرب : هل يجب ترك الأطفال يواجهون وحدهم أدوات قادرة على الكتابة والتلخيص والإجابة نيابة عنهم؟ أم أن الإفراط في الحذر قد يؤدي إلى إعداد جيل غير مستعد لمتطلبات المستقبل؟



بقلم : عدنان بنشقرون

التربية الرقمية : المغرب لا يجب أن يمنع بدافع الخوف ولا يعمم بدافع الموضة

قبل أشهر قليلة فقط، بدأ النقاش حول الذكاء الاصطناعي نظرياً إلى حد كبير. كان مجالاً للمهندسين، والشركات الكبرى، والمختبرات، والمؤتمرات التي تتحدث كثيراً عن “التحول”، وأحياناً قليلاً جداً عن الأطفال.
 

ثم دخلت أدوات مثل ChatGPT وGemini وClaude وغيرها إلى الحياة اليومية. وصلت عبر الهواتف، ومجموعات واتساب، والحواسيب المنزلية، وحتى مقاهي الإنترنت. اليوم يمكن لتلميذ في بضع ثوانٍ فقط أن يطلب مقالاً عن فولتير، أو تلخيص درس تاريخ، أو حل تمرين رياضي، أو حتى صياغة عذر لعدم إنجاز الواجب.
 

المشكلة ليست في أن الآلة تساعد، بل تبدأ المشكلة عندما تحلّ محل الجهد قبل أن يتعلمه الطفل أصلاً.
 

اتخذت النرويج قرارها : ابتداء من سنة 2026، لن يُسمح لتلاميذ الابتدائي (من 6 إلى 13 سنة) باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في المدرسة. في الإعدادي سيكون الاستخدام تحت إشراف المعلمين، بينما يُنتظر من تلاميذ الثانوية تعلم استخدامه بوعي كمهارة مرتبطة بالدراسة وسوق العمل.
 

هذا التوجه يستحق التأمل دون انبهار مفرط ولا تعالٍ، لأنه يطرح سؤالاً مباشراً : هل حددنا في المغرب السن الذي يمكن فيه للطفل أن يفوّض جزءاً من تفكيره لآلة؟

 

الذكاء الاصطناعي والتعليم في المغرب :  خطر القفز على المراحل


قد يبدو من السهل السخرية من القرار النرويجي. فالنرويج يمكنها أن تتباطأ لأنها تمتلك مدارس مجهزة ومعلمين مؤهلين وبنية رقمية مستقرة. أما المغرب، فيحتاج إلى اللحاق بالركب، والتسريع، والرقمنة، والتكوين، والتحديث.


لكن هذا هو بالضبط سبب أهمية النقاش بالنسبة إلينا.


في المدرسة المغربية، خاصة حين تكون الموارد محدودة، قد تتحول التكنولوجيا إلى حل وهمي. يبدو وكأنه ينجز ما تعجز عنه المدرسة: إذا توقف التلميذ عند كتابة فقرة، يكتبها الذكاء الاصطناعي، وإذا لم يفهم درساً يشرحه له، وإذا طُلب منه بحث يقدّم له الخطة والمحتوى.


في الظاهر يبدو كل شيء ناجحاً، لكن في العمق قد لا يتعلم التلميذ شيئاً.


القراءة المتأنية، كتابة جملة سليمة، البحث عن كلمة، تنظيم فكرة، الوقوع في الخطأ ثم المحاولة من جديد… كلها مهارات أساسية في بناء التفكير. ومن لا يتعلم التعامل مع الورقة البيضاء قد يصبح معتمداً على شاشة تفكر بدلاً عنه.


في الكثير من الأسر المغربية، هذا القلق موجود بالفعل حتى إن لم يُصَغ بهذه الطريقة. الآباء يرون أبناءهم ينتقلون بسرعة من محتوى إلى آخر، ومن إجابة جاهزة إلى أخرى. ويلاحظون أن السرعة ليست دائماً فهماً.


النرويج لا تقول إن الذكاء الاصطناعي سيئ، بل تقول إن على الطفل أن يتعلم أولاً كيف يتعلم قبل أن يتعلم كيف يوفّض التفكير


التربية الرقمية : لا لمنع تلقائي ولا تلعميم غير مدروس


ترك الذكاء الاصطناعي يدخل الأقسام دون قواعد سيكون خطأً تربوياً واجتماعياً وحتى ديمقراطياً، خطأ تربوياً لأن التلاميذ لا يملكون نفس مستوى النضج. من لا يملك أساسيات القراءة أو التعبير قد يتحول الذكاء الاصطناعي لديه إلى بديل دائم للفهم، فيسلم عملاً مرتباً لكنه لا يعكس أي معرفة حقيقية.


وخطأ اجتماعياً لأن الفوارق قد تتسع. بعض التلاميذ يعرفون كيفية استخدام الأدوات المدفوعة وكتابة الطلبات الصحيحة للحصول على نتائج أفضل، بينما آخرون يكتفون بالنسخ دون توجيه أو مراقبة.

وخطأ ديمقراطياً لأن جيلاً لا يميز بين المعرفة الحقيقية والمحتوى المصنوع آلياً يصبح أكثر عرضة للتضليل.


لكن في المقابل، منع الذكاء الاصطناعي بالكامل لن يكون حلاً أيضاً. لأنه لن يختفي، بل سيصل عبر الهواتف والتطبيقات وسوق العمل والجامعة، إذن السؤال الحقيقي ليس : هل نستخدم الذكاء الاصطناعي أم لا؟ بل : كيف نستخدمه، ومتى، وبأي هدف، وتحت أي إشراف؟

 

المغرب لن يبدأ من الصفر. هناك مبادرات في البرمجة والروبوتيك والتعليم الرقمي. لكنها تحتاج إلى رؤية أوضح، لا يمكن استنساخ النموذج النرويجي كما هو، لأن السياق مختلف : تفاوتات مجالية، ضغط على الأقسام، ضعف في البنية التحتية، وتفاوت في الولوج إلى التكنولوجيا.


كما لا يجب الوقوع في فخ الخطاب التكنولوجي الذي يكتفي بالإعلان عن مشاريع دون معالجة الأسئلة العملية : هل يستطيع الأستاذ كشف عمل مولّد بالذكاء الاصطناعي؟ هل المدارس مؤهلة لحماية بيانات التلاميذ؟ هل هناك تكافؤ في الفرص بين المدن والقرى؟


الحل قد يبدأ من إطار وطني واضح :


في الابتدائي : يمنع الاستخدام المباشر للتلميذ، مع إمكانية استعماله من طرف الأستاذ فقط.


في الإعدادي : إدخال الذكاء الاصطناعي كمادة للتعلم والفهم والتحليل والنقد.


في الثانوي: استخدامه كأداة مساعدة مع قواعد واضحة للشفافية والتفسير الشفوي لما يتم تقديمه كتابياً.
 

الأستاذ في قلب التحول


لا يمكن تجاهل دور الأستاذ. لأن تركه دون تكوين يعني تحويله إلى مراقب بدل مربي، المعلم ليس شرطياً لمنع الغش، بل موجّه للفهم والتفكير.


لذلك يجب الاستثمار في تكوين حقيقي : كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي في التدريس؟ كيف يطوّع التمارين؟ كيف يقيّم بشكل مختلف؟ وكيف يحافظ على دور الإنسان في العملية التعليمية؟


قد يكون الذكاء الاصطناعي مفيداً في دعم التلميذ الضعيف أو تسهيل الشرح أو إعداد محتويات متعددة المستويات، لكنه لا يمكن أن يعوض العلاقة التربوية بين الأستاذ والتلميذ


قرار لا يمكن تأجيله


النرويج لا تعطينا درساً جاهزاً، لكنها تسلط الضوء على إشكالية مهمة : المدرسة لا يجب أن تضحي بالتعليم الأساسي لصالح الحداثة التقنية.


في المغرب، لا يمكن الاستمرار في التردد بين التأخير والمفاجأة. لأن الذكاء الاصطناعي أصبح موجوداً بالفعل في حياة التلاميذ، فالمطلوب ليس منع المستقبل، بل تأهيل الأطفال للدخول إليه بوعي، دون تبعية أو انبهار.


فالتحدي الحقيقي ليس أن نجعل التلاميذ يطلبون الإجابة بسرعة، بل أن نعلمهم كيف يفكرون بعمق





الثلاثاء 23 يونيو/جوان 2026
في نفس الركن