نادراً ما تفشل السياسات العمومية بسبب غياب الإرادة الفعلية. بل تفشل غالبًا بسبب سوء فهم الاحتياجات الحقيقية. برامج بلا فئة مستهدفة، بنى تحتية غير مستغلة، آليات تنحرف عن أهدافها الأصلية : كل هذه الإخفاقات لها قاسم مشترك واحد، وهو غياب الحوار المسبق مع الجمهور المعني، وخصوصًا الشباب.
من الناحية الاقتصادية، تعمل الديمقراطية التشاركية كآلية لتقليل المخاطر. إذ يسمح إشراك الشباب في تصميم السياسات التي تهمهم بالكشف المبكر عن التناقضات والزوايا المظلمة والآثار الجانبية غير المرغوبة. كل تعديل يتم في البداية يوفر تكاليف أكبر بكثير لو لم يتم لاحقًا، مثل الإصلاحات التصحيحية، والنزاعات القانونية، والاحتجاجات الاجتماعية.
يمتلك الشباب المغربي اليوم المهارات، والأدوات الرقمية، وقدرات التنظيم التي تسهّل هذه المشاركة. استشارات عبر الإنترنت، ميزانيات تشاركية، وساطة مدنية، ورشات محلية : جميع الأدوات موجودة. وما ينقص غالبًا هو الإرادة الحقيقية لمنح هذه الآليات تأثيرًا فعليًا على القرار النهائي.
المشاركة الشكلية أو المجردة من الجوهر تكون مضرة اقتصاديًا. فهي تستنزف الوقت، وتستغل الموارد، وتولد الإحباط عندما لا تؤدي إلى أي نتيجة ملموسة. الديمقراطية التشاركية لا قيمة لها إلا إذا أثرت فعليًا على القرارات المتعلقة بالميزانية والأولويات العامة.
على المستوى الماكرو اقتصادي، تعزز الشفافية والوصول إلى المعلومات فعالية العمل العمومي. المواطن المطلع يكون أكثر قدرة على فهم القيود، وقبول التسويات، والمساهمة في الجهد الجماعي. أما غياب الشفافية فيغذي الشك، والشائعات، وأحيانًا رفض السياسات الأساسية.
هناك أيضًا علاقة مباشرة بين الديمقراطية التشاركية والابتكار العام. فالشباب غالبًا ما يكون مصدرًا للحلول العملية المستمدة من تجربتهم اليومية. وإدماجهم في عمليات اتخاذ القرار يعني توسيع نطاق الإمكانيات بتكلفة منخفضة. وفي ظل قيود الميزانية، يُعتبر هذا الذكاء الجماعي ميزة استراتيجية.
يركز ميثاق 11 يناير على وضوح الآليات. هذا أمر حاسم. المشاركة الفعالة تعتمد على قواعد واضحة : من يشارك، متى، في ماذا، وبأي سلطة فعلية. بدون هذا الوضوح، تتحول عملية التشاور إلى مجرد إجراء شكلي بلا محتوى حقيقي.
بالنسبة للشباب، الديمقراطية التشاركية هي أيضًا مساحة للتعلم. فهي تتيح فهم قيود العمل العام، وتطوير ثقافة التسوية، والاستعداد لتولي مسؤوليات مستقبلية. وعلى المدى الطويل، يعزز هذا التعلم جودة الحكامة.
بحلول عام 2040، سيضطر المغرب إلى الموازنة بين أولويات متناقضة أحيانًا : النمو، والعدالة الاجتماعية، والتحول البيئي. وستكون هذه القرارات أكثر قبولًا إذا نوقشت جماعيًا. الديمقراطية التشاركية ليست رفاهية مؤسسية، بل أداة لتحقيق الكفاءة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي، وربما واحدة من أقل الاستثمارات العامة تكلفة وأكثرها ربحية.
كتاب الرأي
الديمقراطية التشاركية : حكامة جيدة بأقل تكلفة
غالباً ما يُنظر إلى الديمقراطية التشاركية على أنها مجرد إجراء شكلي أو استشاري ثانوي في نظام إداري معقد، لكن الواقع يثبت أنها واحدة من أكثر أدوات الحكامة فعالية في المجال الاقتصادي، إذ تساعد على تفادي الأخطاء المكلفة قبل وقوعها. ويؤكد "ميثاق 11 يناير للشباب" أن الاستماع الجيد لمطالب المواطنين ومشاركتهم في صنع القرار يكلف أقل بكثير من محاولات إصلاح السياسات الفاشلة لاحقاً.
الخميس 15 يناير 2026
في نفس الركن
{{#item}}
{{/item}}
{{/items}}