كتاب الرأي

الدولة، السوق، والصدق السياسي : الخروج من دائرة الشعارات


الردّ على طرح سياسي معيّن قد يكون ضرورياً أحياناً، لكنه يفرض قبل كل شيء قدراً من العدالة الفكرية والصدق السياسي. وهذا هو الحد الأدنى المطلوب في أي نقاش عمومي جاد. فعندما يتحدث مسؤول سياسي عن تدخل الدولة لتصحيح اختلالات السوق، لا يمكن أن يكون الرد مجرد اتهامه بالرغبة في العودة إلى اقتصاد مُدار أو اشتراكي أو متجاوز. هذا ردّ سهل يتجنب جوهر النقاش



بقلم : عدنان بنشقرون

المسألة الحقيقية ليست في أن نكون مع السوق أو ضدّه، بل في ما الذي نفعله عندما لا يعمل السوق كما ينبغي. عندما ترتفع الأسعار بشكل مفرط، وعندما يفرض الوسطاء منطقهم، وعندما تتحول المضاربة إلى نشاط أكثر ربحية من الإنتاج، وعندما تهيمن فئة محدودة على سلاسل كاملة من التوزيع، بينما يؤدي المواطن الفاتورة في النهاية.
 

في اقتصاد حديث، يتمثل دور الدولة أساساً في وضع القواعد. فهي مسؤولة عن ضمان المنافسة، ومحاربة الريع، ومعاقبة التجاوزات، وحماية المستهلك، ومنع المضاربة المفرطة، وضمان شفافية سلاسل التوزيع. هذا ليس اشتراكية ولا حنيناً إلى الماضي، بل هو ببساطة تطبيق دولة القانون على المجال الاقتصادي.
 

لكن ينبغي الاعتراف بأن القوانين لا تكفي دائماً. فالعقوبات تأتي أحياناً متأخرة، والتحقيقات تستغرق وقتاً، وشبكات المصالح تعرف كيف تلتف على النصوص. وفي بعض القطاعات تكون التوازنات مغلقة إلى درجة تجعل التنظيم غير المباشر غير كافٍ. في هذه الحالات قد تضطر الدولة إلى التدخل المباشر، ليس من أجل تعويض السوق، بل من أجل إعادة توازنه.
 

المغرب يعرف هذا المنطق بالفعل. ففي قطاع العقار، مثلاً، تدخلت الدولة لفترة طويلة عبر مؤسسات مثل العمران أو الشركة العامة العقارية. ومن خلال التهيئة والبناء وضخ العرض، ساهمت هذه الفاعلون العموميون أو شبه العموميين في توجيه السوق. لم يكن الهدف إلغاء المبادرة الخاصة، بل منع تحول السكن إلى مجال مضاربة محض. إنها صيغة من التنظيم عبر الحضور والإنتاج والتأثير في العرض.
 

فلماذا يصبح ما هو مقبول في العقار مثيراً للجدل عندما يتعلق بمواد الاستهلاك الأساسية؟

ولماذا يُسمح للدولة بالتدخل في إنتاج السكن، بينما يُعتبر تدخلها في سلاسل التموين أمراً مرفوضاً؟

ولماذا يكون التدخل العمومي حديثاً في قطاع، ومتخلفاً في قطاع آخر؟ إن الاتساق يفرض طرح هذه الأسئلة دون أحكام مسبقة.
 

لننظر إلى الخارج. فرنسا، وهي اقتصاد سوق، تقوم بتنظيم قوي للعلاقات بين المنتجين والموزعين. فهي تنظّم المفاوضات التجارية، وتحاول حماية الفلاحين، وتحد من بعض ممارسات التوزيع الكبير، وتضبط الهوامش أو الشروط التعاقدية. ومع ذلك لا أحد يقول إن فرنسا أصبحت دولة اشتراكية. إنها ببساطة تنظّم، وتحكم، وتصوّب الاختلالات.
 

وهذا هو جوهر النقاش الحقيقي : كيف نبني دولة استراتيجية داخل اقتصاد حر؟ فالاقتصاد الحر لا يعني اقتصاداً بلا قواعد، ولا يعني ترك السوق رهينة لقوانين القوة، أو السماح بالمضاربة غير المحدودة، أو تحويل الحاجات الأساسية إلى ريع دائم. وفي المقابل، فإن تدخل الدولة يجب ألا يتحول إلى بيروقراطية أو زبونية أو مصدر لخلق ريوع جديدة.
 

كل شيء إذن يتعلق بالتوازن. على الدولة أن تتدخل عند الضرورة، ولكن بطريقة شفافة، ومنظمة، ومبنية على النتائج. عليها أن تعاقب التجاوزات، لكنها أيضاً مطالبة بخلق بدائل. عليها أن تشجع الاستثمار الخاص، لكنها في الوقت نفسه تمنع احتكار المصلحة العامة من طرف مجموعات محدودة. عليها أن تحمي المستهلك دون أن تخنق المنتج، وأن تنظم السوق دون أن تخنقه.
 

المشكلة في النقاش السياسي المغربي أنه ينزلق بسرعة نحو التبسيط. فبمجرد أن تطرح فكرة غير مريحة، يتم تصنيفها فوراً: شعبوية، رجعية، ليبرالية، اشتراكية، أو انتخابية. لكن المواطن لا يأكل التصنيفات. ما يهمه هو: لماذا ترتفع الأسعار؟ لماذا يربح الوسطاء أكثر من اللازم؟ لماذا يبيع المنتج بثمن منخفض بينما يشتري المستهلك بسعر مرتفع؟ من يستفيد فعلاً من هذه السلاسل؟
 

قضية “الفراشة” والمضاربين والوسطاء غير القانونيين ليست مسألة ثانوية. إنها تمس مباشرة القدرة الشرائية، وثقة المواطنين في المؤسسات، ومصداقية الخطاب السياسي. إن وعود محاربتهم مشروعة، لكن الأهم هو: كيف سيتم ذلك؟ بأي قوانين؟ بأي أجهزة رقابة؟ بأي عقوبات؟ بأي بيانات؟ وبأي إرادة سياسية في مواجهة المصالح المنظمة؟
 

فالشجاعة السياسية لا تكمن فقط في الدفاع عن السوق، بل أيضاً في الاعتراف بخلله عندما يظهر. كما أن الدفاع عن تدخل الدولة لا يكفي وحده، بل يجب ضمان ألا يتحول إلى جهاز جديد للريع أو الفشل. فالدولة الاستراتيجية يجب أن تكون قوية، لكنها خاضعة للمساءلة؛ حاضرة، لكنها غير متضخمة؛ فاعلة، لكنها غير غامضة.
 

يحتاج المغرب إلى هذا النقاش الناضج، بعيداً عن منطق الشعارات. ليس المطلوب صراعاً إيديولوجياً بين من يعتبر الدولة مشكلة ومن يعتبر السوق تهديداً، بل اقتصاداً منتجاً، تنافسياً، وشفافاً، وفي الوقت نفسه اجتماعياً وعادلاً عندما تقتضي الضرورة.
 

في النهاية، الخط الفاصل الحقيقي ليس بين الليبراليين والتدخلّيين، بل بين من يقبل بالريع ومن يريد تفكيكه. بين من يكتفي بوصف ارتفاع الأسعار ومن يحاول فهم آلياته. بين من يتمسك بالشعارات ومن ينظر إلى الواقع المعيشي للمواطنين.
 

الدولة لا يجب أن تفعل كل شيء، لكنها لا يمكن أن تبقى متفرجة. عندما يعمل السوق، تتركه يعمل. وعندما يختل، تصححه. وعندما يُختطف، تتدخل. هذه هي ببساطة فلسفة الاقتصاد الحديث: لا عودة إلى الوراء، ولا قطيعة أيديولوجية، بل عقل سياسي عملي يخدم المصلحة العامة





الأربعاء 20 ماي 2026
في نفس الركن