كتاب الرأي

الدكتور محمد بنعطا مهندس زراعي ومنسق التجمع البيئي لشمال المغرب يقارب مسألة التطرف المناخي بالمغرب و يستعرض أثارها و عواقبها :


أضحى المغرب في العقد الأخير في قلب ظاهرة التحولات المناخية المسجلة على أكثر من مؤشر (قلة و عدم انتظام التساقطات /ارتفاع درجة الحرارة و تمدد الفصول الجافة)



في تقديركم كمهتم بالشأن البيئي هل يتعلق الامر بظاهرة طبيعية محلية ام بتغيير جدري في منظومة الطقس و المناخ؟

و ماهي المعايير العلمية المحددة لهذا التحول المناخي؟ و اسبابها؟


الدكتور محمد بنعطا : فعلا سجل المغرب  تحولات مناخية جد مهمة خلال العقد الأخير بالنسبة لقلة وعدم انتظام التساقطات وارتفاع درجة الحرارة وتوالي الفصول الجافة. 

وتقدر الموارد المائية في المغرب، حسب الأرقام الرسمية للاستراتيجية الوطنية للماء (2009)، بحوالي 22 مليار متر مكعب في السنة منها حوالي 4 مليار متر مكعب من موارد المياه الجوفية المتجددة. تشير الدراسات إلى أن متوسط توافر المياه السطحية خلال العقد الماضي كان في الواقع بين 10 و 15 مليار متر مكعب في السنة بدلاً من 18 مليار المقدرة. في حين أصبح سحب المياه الجوفية واستعمال المياه السطحية يتجاوز الامكانات المتجددة للمياه. 

في ما مضى كان المغرب يعرف سنوات الجفاف بمعدل سنتين كل خمس سنوات في المتوسط الا أن وتيرة الجفاف تضاعفت في العقد الأخير حيث أصبح المغرب يعيش سبع سنوات جافة كل احدى عشر سنة.

كما عرف المغرب ارتفاع درجة الحرارة المتوسطة وبدأ يسجل أرقاما قياسية في درجة الحرارة العليا في بعض المدن, حيث من المرتقب أن يتأثر المغرب، مثل بلدان أخرى في المنطقة، من جراء تغير المناخ بارتفاع درجتين مئويتين في مستويات الحرارة، خاصة بسبب زيادة شدة الحرارة المتوقعة وانخفاض توفر المياه حيث تزداد درجات الحرارة القصوى بحوالي 30 في المائة في فصل الصيف في كل مكان تقريبا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومن المتوقع أيضا ارتفاع مستوى سطح البحر بمتوسط 35 سم بحلول نهاية القرن في المدن الواقعة على ساحل المغرب المطل على المحيط الأطلسي أو البحر الأبيض المتوسط، في حين سيقل هطول الأمطار في المناطق الداخلية من المغرب بنسبة تصل إلى الثلث.

هذه التغيرات المناخية الذي يعرفها المغرب ليست محلية خاصة بالمغرب ولكن لها ارتباط بالمنظومة العالمية للطقس مع الإشارة الى  أن انعكاس التغيرات المناخية تتحول شدته من بلد لآخر وبأشكال متفاوتة. 

المغرب والدول الافريقية عامة من الدول التي تتأثر كثيرا من هذه الظاهرة و التغيــرات المناخيــة  تعتبــر مــن بيــن التهديــدات، التــي تواجــه البشــرية جمعــاء و بالتالي يمكن الجزم بأن خطـورة الأوضاع قـد بلغـت مرحلـة حرجـة وحاسـمة، تتطلـب التزامـا جماعيـا قـويا لإنقاذ البشـرية وكوكبنـا الأرض مـن الهـلاك والفنـاء.

.سؤال : ألا يتعلق الأمر بتهويل مبالغ فيه للأوضاع و انسياق عفوي وراء مطالب و شعارات متطرفة لمنظمات بيئية تقارب الأمر بطريقة جزافية؟

أصبحـت التغيـرات المناخية، رغـم تهويـن البعـض مـن أهميتهـا، واقعـا ملموسـا تظهـر آثـاره في مختلـف مناطـق العالـم، مـن ارتفـاع سـنوي لدرجـة حـرارة الأرض بلـغ في المتوسط 0.75 درجـة مئويـة مقارنـة بسـنة 1860، وارتفـاع مسـتوى البحـر بمـا يقـارب 1.8 ملـم سـنويا منـذ، 1961 و3.1 ملـم سـنويا منـذ 1993 وتزايـد وتيـرة الظواهـر المناخية القصـوى، ومـا ينتـج عنهـا مـن خسـائر ماديـة وبشـرية، كموجـات الحرارة المفرطة والجفاف والأعاصير والفيضانـات. 

إن تغير المناخ ليس مشكلة بيئية عالمية فحسب بل قضية إقليمية ومحلية، تثير قلقا بيئيا كبيرا مع وجود تفاوتات على مستوى حدته، حسب طبيعة وجغرافية كل منطقة. منطقة شمال أفريقيا بشكل عام، من المناطق المعرضة بشدة لهذه التغيرات و من المتوقع أن تشهد ارتفاع في درجة الحرارة فوق المتوسط العالمي ، وانخفاض أكبر في تساقط كمية الأمطار. والمغرب بدوره يعد من الدول التي ستعرف تغيرات مناخية حادة.

التحولات المناخية مرتبطة ارتباطا وطيدا بالانحباس الحراري الناتج عن الغازات الدفيئة متل ثاني أوكسيد الكاربون. مع العلم أن هذه الغازات الدفيئة مصدرها استعمال الطاقات الأحفورية مثل الفحم والبنزين والغاز والمحروقات الأخرى. على سبيل الذكر ارتفع تركيز ثاني أكسيد الكاربون في الهواء من 200 جزء في المليون الى الضعف حاليا مقارنة مع فترة ما قبل الثورة الصناعية. أغلب الخبراء في مجال التغيرات المناخية يتفقون على أن أنشطة الانسان المرتكزة على استعمال الطاقة الأحفورية هي السبب في التغيرات المناخية التي بدأ الكوكب يعرفها بعد الثورة الصناعية.

و نتيجة لتزايد الأنشطة البشرية منذ الثورة الصناعية إلى اليوم، أصبح الانسان يجني ثمار هذه التأثيرات خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع ظهور العديد من الأحداث المناخية المتطرفة حول العالم منها موجات الحر التي سجلت على أثرها درجات حرارة قياسية، بالإضافة إلى الفيضانات و اضطراب حالات الطقس التي اجتاحت العديد من مناطق الكوكب، وسببت العديد من المآسي الإنسانية كما أثرت هذه الأحداث على المحاصيل الزراعية وتراجع الفرشة المائية، وبالتالي خلخلت نظام الحياة الطبيعية والبشرية. استمرار ظاهرة انبعاث الغازات الدفيئة بهذه الوتيرة أن يفاقم من المخاطر الناتجة عن آثار التغير المناخي الحادة والشاملة والتي سوف يستحيل تداركها. 

يشير أحدث تقرير للهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتغير المناخي، أن تغير أنماط تهاطل الأمطار وذوبان الثلوج بسبب التغيرات المناخية، يؤثر على النظم الهيدرولوجية ويؤثر على نوعية الموارد ا لمائية وكميتها.
 سؤال : كثر الحديث في السنوات الاخيرة عن ظاهرة الاحتباس الحراري و ارتفاع محسوس لدرجة حرارة الجو مع ما يتبعه من ظواهر مناخية شاذة   (تمدد فصل الصيف / ارتفاع محسوس في معدل الحرارة الفصلية.) 

الى اي حد يعتبر المغرب منطقة متأثرة بهذه الظاهرة وماهي انعكاساتها على المناخ و الانشطة اليومية؟

المغرب والدول الافريقية من بين الدول التي تتأثر كثيرا بظاهرة التغيرات المناخية من حيث ندرة التساقطات في السنوات الأخير وعدم انتظامها حسب الموسم الفلاحي واحتياجات المزروعات الفلاحية وكذلك نظام التساقطات في غير الزمن المناسب أو بكميات تسبب الفيضانات والكوارث الطبيعية والخسائر في المنتوج الزراعي.

أثرت التغيرات المناخية كذلك على نظام الفصول المعروفة كامتداد فصل الصيف أو حلول فصل الربيع قبل وقته. مما يؤثر على المنظومات البيئية والزراعية والأيكولوجية.  

 في المغرب يؤكد خبراء المناخ أنه أصبح ضمن الدول الإفريقية الأكثر تهديدا بالكوارث الطبيعية الناجمة عن التغيرات المناخية مما يستدعي اتخاذ جميع الإجراءات الاحترازية لمواجهة الوضع في المستقبل القريب.

ان التغير المسجل  في درجات الحرارة وعدم انتظامية وتراجع التساقطات المطرية، هي أسباب كفيلة بتقلص ونضوب الفرشة المائية بالمغرب، وحسب توقعات لمجموعة من الأبحاث فإن تفاقم الاختلالات المناخية بالمغرب سيزيد من وطأة وحدة تراجع هذه المادة الحيوية، وسيطال هذا التأثير باقي القطاعات المرتبطة بالماء من صناعة وفلاحة، واقتصاد، وسياحة وحتى أفراد المجتمع، نتيجة تقلص نصيب الفرد لتغطية احتياجاته من الماء الصالح للشرب.  

سؤال : هذا يعني أن المغرب يعاني من فترة إجهاد مائي  ستؤثر لا محالة  على الانشطة الفلاحية و المجال الطبيعي ( الزراعة /التصحر/السدود/المجال الغابوي)

جواب : يقع المغرب في واحدة من أكثر المناطق في العالم تعرضا للتغير ات المناخية، ولا سيما تأثيرها على القطاع الزراعي الذي يعد بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المغربي. فقطاع الزراعة كان دائما قطاعا استراتيجيا ويحتل الأولوية في خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية منذ الاستقلال.

لا يســاهم المغرب ســوى بحصــة ضئيلــة في انبعاثــات الغــازات الدفيئــة علــى المستوى العالــمي (0.16%)، غيــر أنــه يتأثــر ســلبا بآثــار الاضطراب المناخي، يــدل علــى ذلــك توالــي ظاهــرة الجفاف في الســنوات الأخيرة، وتكاثـر بعـض الظواهـر المناخية القصـوى بوتيـرة متقاربـة، في علاقـة علـى وجـه الخصوص بعـدم انتظـام التسـاقطات المطرية وتقلـص الغطـاء النباتـي بسـبب التصحـر واسـتفحال الكـوارث الطبيعيـة، ونتذكـر حدوث الفيضانـات في عدد من الجهات في المغرب.  

حسب التقرير الصادر عن الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة بشأن المناخ، اختفـى مـن الوجـود 500 مليـون هكتـار مـن الأراضي الفلاحية بسـبب التصحـر وتداعيـات التغيـر المناخي في القارة الافريقية، ممـا ينعكـس سـلبا علـى الأمن الغذائـي للسـاكنة. وخـلال السـنوات الأخيرة، اضطـر 48 مليـون شـخص إلـى النـزوح مـن القـارة الإفريقية نحـو أوربـا. 

يجب أن نضع نصب أعيننا أن 30  في المائة من البنيات التحتية الشاطئية في إفريقيا قد تكتسحها مياه البحر في أفق 2050 و أن ما بين 20 و40 في َّ المائة من الأنواع مهددة بالاندثار في أفق 2085 ومحاصيل الحبوب ستتراجع بنسبة 10 في المائة في أفق 2050


كما سبق ذكره، التغيرات المناخية لها تأثير على التساقطات وعلى توزيعها خلال الموسم المطري وحيث الموسم الفلاحي يتماشى مع موسم الأمطار وبالتالي هناك تأثير مباشر للتغيرات المناخية على الانشطة الفلاحية وعلى الانتاج الفلاحي من حيث انتاج الحبوب والخضروات والتمور والحوامض كما لها تأثير على المزروعات الكلئية والمراعي مصدر انتاج اللحوم الحمراء والحليب وتربية المواشي كالأغنام والمعز والأبقار والجمال.


بفعل التأثيرات المناخية، بدا القطاع يعرف تذبذبا وتراجعا وأثر الجفاف والانخفاض المتوسط والطويل في تساقط الأمطار على الانتاج الزراعي وتعتبر محاصيل الحبوب الشتوية مثالاً، إذ انخفضت المحاصيل بنسبة 70 % بسبب الجفاف لعام 2016.


التغيرات المناخية وأثارها على التساقطات وارتفاع درجة الحرارة أدت إلى انخفاض نسبة ملء السدود، أقل من 40 في المئة منذ 2020، والعديد من السدود تسجل نسب أقل من 10 في المئة، كما أن المياه الجوفية والفرشة المائية استنزفت وفي وضعية استغلال يفوق قدراتها، أو ملوثة أحيانا لا تصلح للاستهلاك في إنتاج المواد الغذائية.


انخفاض المنسوب المائي بالسدود أدى الى انخفاض المساحات المسقية في الأحواض الفلاحية وبالتالي الى انخفاض الانتاج الفلاحي والمنتوج الخام الداخلي للمغرب.

وعلى سبيل المثال أدى جفاف سنة 2005 إلى خفض الإنتاج الوطني من الحبوب إلى النصف و سيزيد التغير المناخي من احتمالية وجود محاصيل فقيرة أو معدومة في العديد من المناطق بالمغرب حيث لا يوجد الري الكافي للتخفيف من الظروف المناخية السيئة.

يتعرض الإنتاج المحلي من الحبوب بدرجة عالية لمخاطر المناخ، حيث يتركز بشكل رئيسي في المناطق القاحلة، وشبه القاحلة التي تتميز بتربة محدودة، وموارد مائية ضعيفة. وفي هذا المجال يجب على الدولة تشجيع البحث الزراعي ودعمه في البحث عن أصناف الحبوب التي تقاوم الجفاف وضمان مردود مرتفع في المناطق البورية. 

سؤال: وضع تراجع لا مفر منه للموارد المائية و سيؤثر ذلك حتما على حصة الفرد السنوية من الماء الشروب في المغرب ؟؟

جواب : من المعلوم أن الطلب على المياه يتزايد بسرعة نتيجة لتصاعد النمو الديموغرافي، في حين أن الإمدادات تتناقص بسبب تأثير تغير المناخ. وبحسب توقعات أجرتها إدارة المياه مع الأخذ في الاعتبار تغير المناخ، فإن الحجم الذي يمكن تعبئته في أفق 2050 دون انجازات إضافية يقدر بـ 13 مليار متر مكعب (أي انخفاض بنسبة 11 ٪ مقارنة بعام 2020) وزيادة في الطلب إلى 20 مليار متر مكعب  في السنة، أي برصيد عجز قدره 7 مليار متر مكعب في السنة، معمم على جميع الأحواض بما في ذلك سبو (26٪)، وأبو رقراق (55٪)، وملوية وتانسيفت (46٪) وأم الربيع (41٪).


سيرتفع الطلب على الماء لاستعمالات منزلية وصناعية من 1.7 مليار متر مكعب  سنويا حاليا إلى 2.6 مليار متر مكعب سنة 2050 مع فرضية تحسن مردودية الشبكات إلى 80 بالمائة (هي حاليا بين 55 و 83 بالمائة حسب المدن).

وسيرتفع الطلب على مياه السقي من 14.5 مليار متر مكعب في السنة حاليا إلى 16.1 مليار متر مكعب سنويا في 2050 (أو إلى 17.5 مليار متر مكعب أخذا بعين الاعتبار تأثير التغيرات المناخية على درجات الحرارة) بعد توسيع مساحات السقي وافتراض استقرار الكميات المستعملة في السقي الخاص المعتمد أساسا على المياه الجوفية.


الطلب على المياه قد ازداد عن طريق زيادة عدد السكان وتوسع المناطق المسقية ونمو السياحة والصناعة، بما في ذلك المناطق التي لا تستطيع فيها موارد المياه المتاحة تلبية الطلب، مما أدى إلى تسريع الاستغلال المفرط للمياه الجوفية واستنزافها.


حصة الفرد السنوية من الماء الشروب في المغرب حسب الموارد المائية المتاحة، والتي تمكن من قياس درجة ندرة المياه في بلد معين، كان يقدر ب 2600 متر مكعب للشخص في السنة، سنة 1960، لكنها انخفضت لتصل إلى 500 متر مكعب للشخص في السنة خلال العشرية الأخيرة، القيمة التي تعد الحد الأقصى لقياس ندرة المياه. حيث انخفضت نسبة حصة نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة إلى 60 % منذ سنة 1960. (الرجاء تدقيق هذا الرقم أعتقد تراجع ب 80 في المائة ).

سؤال : طيب ما هي درجة انعكاسات التحول المناخي على المنظومة البيئية في المغرب (المناطق المتضررة و الاثار  السلبية على الرصيد البيئي و المجال الطبيعي )؟.

جواب : هذه التأثيرات تنتقل بشكل خاص إلى القطاعات المرتبطة مباشرة بالعناصر الطبيعية مثل الزراعة والماء والتنوع البيولوجي، نتيجة الضغط المكثف على استغلال الموارد الطبيعية، هذا التأثير الناشئ عن زيادة عدد السكان ، وتلبية طلب الإنتاج والاستهلاك.  


من تأثيرات التحول المناخي ونتيجة لسنوات الجفاف المتتالية وارتفاع درجة الحرارة عرف المغرب حرائق مهولة في الغابات عبر التراب الوطني أدت الى ضياع ألاف الهكتارات من الغابة واتلاف المنظومات البيئية والوحيش. ومن مخلفات هذه السنوات الجافة انخفض المخزون المائي في السدود و نضب عدد كبير من العيون والوديان مما أدى الى ضياع المنظومات البيئية وجفاف الأشجار المثمرة والغابات.


تجدر الاشارة الى أن عددا كبيرا من المناطق الرطبة التي كانت تزخر بتنوع بيولوجي غني ومنظومات بيئيةتضررت بشكل مقلق من أثر الجفاف والتنافس على استعمال المياه لأغراض فلاحية.


لقد كشــفت مديريــة الأرصاد الجوية الوطنيــة في تقريرهــا الصــادر ســنة 2007 أن مناطــق المغرب المصنفة مناطـق رطبـة وشـبه رطبـة، تراجعـت نسـبتها، خـلال الخمس والأربعين سـنة الأخيرة، وذلـك يرجع أساسـا إلـى ارتفـاع المتوسط السـنوي لدرجـة الحرارة وتزايـدت في المقابل نسـبة المناطق الجافة وشـبه الجافة. بمـا يقـارب 0.16 درجـة مئويـة خـلال عشـر سـنوات، وانخفـاض حجـم التسـاقطات المطرية بنسـبة 47 في المائة علـى المستوى الوطنـي. ومـن تداعيـات هـذه التوقعـات:

- انعدام الأمن الغذائي وندرة الموارد المائية وتدهور حالة التربة مما سيزيد من حدة النقص في الإنتاج الفلاحي.

- مضاعفات على صحة الساكنة: نظرا للتغيرات الملاحظة على مستوى التوزيع الجغرافي للأمراض المنقولة (الملاريا والكوليرا...)

 - هشاشة المناطق الساحلية: يتعلق الأمر بخطر حقيقي يتهدد المناطق التي تتميز بالهشاشة الطبيعية وبتدهور عوامل الحماية الطبيعية (طنجة والمحمدية والسعيدية...).

- التعرية والآثار على التنوع الحيوي: يعزى ذلك التحول المطرد لمنطقة شمال المغرب إلى منطقة جافة، مما يؤدي إلى هجرة الأصناف التي تعيش في المناطق شبه الصحراوية نحو المرتفعات والقطبين.

- تزايد موجات الهجرة: وهي ستتركز في مناطق ستكون فيها إمكانات تكيف الساكنة قد انعدمت.

سؤال / أنتم تثيرون هنا مسؤولية الانشطة البشرية و مستويات تدخل المشرع و البرامج الحكومية ؟

نحن أمام اشكالية تهدد مستقبل البشرية. هذه الاشكالية يساهم فيها جميع الدول بشكل متفاوت بما فيها المغرب و ترتكز هذه الاشكالية أساسا على:

- استعمال الطاقة الأحفورية في الأنشطة البشرية هو السبب الأساسي في تلوث الهواء والبيئة بصفة عامة وهو مسؤول بالدرجة الأولى عن الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية وعلى رأسها ارتفاع درجة الحرارة وزيادة وثيرة الجفاف ونقص التساقطات والموارد المائية وكل ذلك بفعل الارتفاع المهول لتركيز ثنائي أوكسيد الكاربون في الهواء.

- من المسلم به أن مخزون الطاقة الأحفورية سائر الى النفاد.

- الانتقال الطاقي أصبح من الضروريات والبحث عن أشكال طاقة نظيفة ومستدامة والحرص على الوصول الى الحياد المناخي شرط أساسي لاستمرار البشرية على هذا الكوكب.

بالنسبة لتدخل المشرع أعتقد أن المشرع في المغرب أو في الدول الأخرى يجب أن يراجع القوانين الحالية واصدار قوانين تتماشى مع الاسراع في الانتقال الطاقي وذلك بمنع استعمال الطاقات الأحفورية وتشجيع السكان والخواص والشركات والجماعات في انتاج الطاقات النظيفة والمتجددة والسماح للمنتجين كانوا أشخاص أو شركات أو جماعات لضح فائض انتاجهم من الطاقة الكهربائية في شبكة التوزيع. بهذه الطريقة سيكون الانتاج من الطاقة النظيفة المتجددة كافي لسد الحاجيات وتصدير الفائض لمن هو في حاجة اليه بدون تلويث الهواء ولا اصدار الغازات الدفيئة.


على الحكومات أن تتوقف عن البرامج التي ترتكز على الطاقات الأحفورية و تبادر بتشجيع الاستثمار في الطاقات المتجددة والنظيفة مثل الطاقة الشمسية والرياح والبحار والطاقة الهيدروليكية وانتاج الهيدروجين الأخضر.

وفي هذا الصدد نذكر بالعريضة التي أنجزناها مؤخرا تحت عنوان "أوقفوا استعمال الطاقة الأحفورية بالمغرب" بناء على التناقض الموجود بين الخطاب الرسمي والاستراتيجية الطاقية التي أعلن عنها المغرب والتي رسمت من بين أهدافها تشجيع الطاقة النظيفة والمتجددة للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة والتخفيف من أثار تغير المناخ من جهة ومن جهة أخرى ما يجري على أرض الواقع حيث يقوم المغرب بتوسيع المحطات الحرارية الموجودة وبناء محطات حرارية جديدة  تستعمل الفحم المستورد  بشكل متزايد مع العلم أن المغرب التزم بالتخفيـض مـن انبعاثاته مـن الغـازات الدفيئـة بنسـبة 32 في المائة (ومنهـا 13 في المائة بفضـل َّ الطاقـات النظيفـة). 


تطالب هذه العريضة من السلطات المغربية بوضع حد لاستخدام الوقود الأحفوري  لإنتاج الكهرباء وخاصة الفحم والتحرك بسرعة وبشكل لا رجعة فيه نحو مشاريع انتاج الطاقة النظيفة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة المائية والهدروجين الأخضر... 


موضوع العريضة يتماشى مع الرأي الذي أصدره المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في جمعه العام بتاريخ 16 يونيو 2020 حيث يوصي الحكومة المغربية بالإسراع في الانتقال الطاقي واعتماد الطاقات المتجددة والنظيفة.

سؤال / هذا لا يلغي جهودا مبذولة على صعيد القطاعات الحكومية من أجل تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة الملوثة ؟

بالرغم من تحسن إجراءات حماية المناخفي المغرب للحد من الاحترار بحدود 1.5 درجة مئوية، فقد جاءت نتائج تقرير الأداء البيئي لسنة 2022 التي تم إصدارها بناء على معطيات العام السابق 2021 حيث كان ترتيب المغرب بيئيا على الصعيد العالمي والإقليمي والعربي كالتالي: احتل المغرب المركز 160 عالميا مقارنة مع 180 دولة مدرجة في التقرير، بمعدل جد ضعيف لا يتجاوز 28.4 من أصل مائة، مما يعني أن المملكة المغربية رغم كل التصريحات والخطابات الرسمية والجهود المبذولة لم تقترب بعد من تحقيق أهداف السياسات البيئية، وجاء المغرب في المركز السادس عشر على مستوى الدول العربية والشرق الأوسط.


 هذه المراكز التي احتلها المغرب تتطلب من الحكومة المغربية وخاصة وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة البحث العميق عن أسباب هذا الاخفاق وتصحيح الهفوات للرفع من درجة العمل البيئي في المغرب.


ولقد صنف مؤشر الأداء البيئي الذي صدر سنة 2022 من طرف جامعتي بيل وكولومبيا الأميركيتين بتعاون مع المنتدى الاقتصادي العالمي، المغرب في الرتبة 160 من بين 180 دولة شملتها الدراسة، ويعتمد المؤشر في تصنيفه للبلدان على 40 مؤشرا فرعيا يهم أساسا، أداء تغير المناخ، والصحة البيئية، وحيوية النظام الإيكولوجي. ويمنح التقرير، الدول تقييما بالدرجات من 0 إلى 100 حول أدائها في كل مؤشر، ويتم إعداد هذا التقرير كل سنتين وينشر بالتزامن مع الاحتفال باليوم العاملي للبيئة يوم 5 يونيو من كل سنة، وكانت المملكة قد حلت في المرتبة 100 في تصنيف سنة 2020.


  وأوضح التقرير أن المغرب حل في المرتبة 123 عالميا في الصحة والبيئة، والمرتبة 164 في حيوية النظام الإيكولوجي، و 135 في أداء تغير المناخ، بينما على الصعيد العربي جاء المغرب في المرتبة ،16 خلف كل من دولة الإمارات العربية المتحدة التي حلت في المركز الأول و39 عالميا، والجيبوتي التي جاءت ثانية على الصعيد العربي و60 عالميا، ثم الأردن التي جاءت ثالثة عربية و81 عالميا وجزر القمر رابعة عربيا و85 عالميا ، والكويت خامسة و87 عالميا والبحرين سادسة عربيا و90 عالميا .


 وبخصوص قائمة الدول التي حصلت على المراتب العشرة الأولى عالميا فقد جاءت الدنمارك في المركز الأول تليها المملكة المتحدة، ثم فنلندا، ومالطا، والسويد، ولوكسمبرج، وسلوفانيا، والنمسا، وسويسرا فإيسلندا مقارنة مع مؤشر الأداء المناخي لعام 2021 احتل المغرب المرتبة الرابعة من حيث الأداء المناخي بعد كل من السويد والمملكة المتحدة والدنمارك حيث يتبني أن الدول الثالث الأولى عالميا في الأداء المناخي تبقى من بين الدول الكبار في الأداء البيئي بينما تأخر المغرب الى مراتب جد متأخرة.


وفي الميدان الفلاحي وحتى يتوفق المغرب في التكيف مع التغيرات المناخية وتحقيق الأمن الغذائي والأمن المائي للبلاد حسب رأيي لابد من اعادة النظر في مخطط المغرب الأخضر وتعيين جهة مستقلة لتقييم نتائجه وتصحيح مخطط الجيل الأخضر بعد انجاز هذه الدراسة وذلك أن عددا من الخبراء يعتقدون أن مخطط المغرب الأخضر ساهم في استنزاف الموارد المائية وخاصة المياه الجوفية.


في الوقت الذي يعيش فيه العالم والمغرب أزمة التغيرات المناخية يجب تفعيل مجلس الماء والمناخ ليلعب دوره ويقدم توصياته للحكومة. كما يجب إدمـاج البعـد المناخـي فـي السياسـات العموميـة.


حسب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي: " يتعين علـى ِّالمغـرب باعتبـاره أحـد الأطراف الموقعـة علـى الاتفاقية الإطارية للأمم المتحـدة بشـأن التغيــر المناخــي أن يســاهم فــي مسلســل التكيــف مــع ّ التغيــر المناخــي والتخفيــف مــن آثــاره، ويضــع اســتراتيجياته القطاعيــة بشــكل يراعــي هــذا التغيــرات ويتكامــل مــع الجهــود المبذولــة دوليــا فــي هــذا الإطار".


ومواصلــة العمــل ضمــن منظــور يســتهدف تحســين تدابيــر محاربــة التلــوث والتكيــف مــع هــذه التغيـرات، وعليـه، مـن جهـة ثانيـة، أن يضـم جهـوده إلـى الجهـود المبذولـة دوليـا فـي مجـال التخفيـف مـن آثـار التغيـرات المناخيـة والنهـوض بالتنميـة المسـتدامة، وخاصـة اعتمـاد الطاقـات المتجـددة والنجاعـة الطاقيـة وكل مسـالك الاقتصاد الأخضر والأزرق. ويتعيـن تعزيـز هـذا المسلسـل، الـذي انطلقـت مراحـل إنجـازه فـي العديـد مـن المياديـن، مـع العمـل علـى إغنائـه باسـتمرار.


وفـي إطـار المسـاهمة فـي خفـض انبعاثـات الغـازات الدفيئـة، تنـص الاستراتيجية الوطنيـة للمـاء أيضـا علـى تنميـة إنتـاج إضافـي لــما يقـارب 2200 جيغـاوات سـنويا مـن الطاقـة الهيدروكهربائيـة عبـر تجهيـز السدود الكبرى بمعامـل لإنتاج الطاقـة الهيدروكهربائيـة، إضافـة إلـى إنشـاء محطتي الضـخ لنقـل الطاقـة.

سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة… إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاثنين 22 يناير 2024
في نفس الركن