بقلم : عدنان بنشقرون
فالدفاع عن المواطن ليس شعبوية، بل هو جوهر الفعل السياسي ذاته. فالسياسة لم تُخلق لترافق بشكل سلبي توازنات السوق، بل لتقوم بدور التحكيم والحماية والتصحيح والوقاية من التجاوزات، وضمان ألا تطغى المصالح الأكثر تنظيماً على المصلحة العامة.
النقاش الذي أعاد وزير الداخلية السابق نزار بركة طرحه حول قنوات التوزيع وحماية القدرة الشرائية يندرج ضمن هذا الإطار. فالمسألة لا تتعلق بوعود مستحيلة ولا بتحديد “أعداء اقتصاديين”، بل بتذكير بسيط بأن السوق حين لا يعمل بشفافية وعدالة، لا يمكن للدولة أن تظل متفرجة.
المواطن المغربي لا يعيش الاقتصاد في التقارير والمؤشرات، بل يعيشه في السوق، ومحطات الوقود، وأرفف المتاجر، وعند البقال، وعند دفع مصاريف الدراسة أو العلاج أو النقل أو حاجيات الأسبوع. بالنسبة له، السؤال لا يتعلق بنظريات اقتصادية، بل بما إذا كان دخله ما يزال قادراً على مواجهة الأسعار.
من هنا، يجب أن يستعيد الفعل السياسي مكانه الطبيعي، ليس ضد المقاولة أو الاستثمار أو اقتصاد السوق، ولكن ضد الفكرة التي تعتبر أن كل تدخل عمومي هو أمر مشبوه. فالديمقراطية لا يمكنها أن تتخلى كلياً عن بعدها الاجتماعي لصالح آليات السوق، خصوصاً عندما تشوب هذه الأخيرة اختلالات مرتبطة بالتركيز الاقتصادي أو الاحتكار أو الريع أو النفوذ.
تاريخياً، سعى حزب الاستقلال إلى ربط المسألة الوطنية بالمسألة الاجتماعية. فالاستقلال السياسي لا يكتمل إلا بقدرة جماعية على حماية المواطنين وتنظيم الاقتصاد وصون كرامة الطبقات المتوسطة والفقيرة. ومن هذا المنطلق، يصبح من الطبيعي الدفاع عن رؤية تقول إن الاقتصاد يجب أن يُنتج الثروة، لكن دون أن يكون ذلك على حساب المجتمع.
إن وصف هذا التوجه بالشعبوية يعني عملياً تفريغ السياسة من مضمونها. فإذا كان الحديث عن الأسعار شعبوياً، فما الذي يتبقى للنقاش العمومي؟ هل يقتصر على مؤشرات النمو والاستثمار والأرقام المالية فقط؟ هذه عناصر مهمة، لكنها غير كافية لفهم الواقع الاجتماعي.
فالدولة لا تُحكم فقط بالأرقام، بل أيضاً بالإحساس الاجتماعي، وبالثقة، وبقدرة الأسر على العيش بكرامة. والسيادة الاقتصادية لا تعني فقط الإنتاج المحلي أو جذب الاستثمارات، بل تعني أيضاً منع تحول المواطن إلى طرف ضعيف أمام سوق لا يفهم قواعده ولا يملك التأثير عليه.
من يحدد الأسعار فعلياً؟ من يراقب الهوامش؟ من يتابع سلاسل التوزيع؟ ومن يفرض العقوبات على التجاوزات؟ هذه أسئلة سياسية بامتياز قبل أن تكون تقنية.
على المستوى العالمي، تتزايد التوترات بين الديمقراطية والأسواق المالية، حيث أصبح المواطنون أقل تقبلاً لفكرة أن القرارات الاقتصادية تُتخذ خارج رقابة المجتمع. فهم يرون الأرباح ترتفع بينما تتراجع قدرتهم الشرائية، ويُطلب منهم الصبر في وقت تتوسع فيه أرباح بعض القطاعات.
هذا التفاوت يغذي فقدان الثقة، ثم الغضب، وهو ما يجعل التدخل السياسي المبكر ضرورياً لتفادي الانفجار الاجتماعي، الدفاع عن المواطن هو رفض اختزال السياسة في إدارة تقنية لقيود يفرضها السوق، وهو تأكيد على أن للدولة مسؤولية قائمة، وأن السوق يجب أن يبقى في خدمة المجتمع لا العكس.
وبالتالي، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان هذا الخطاب شعبوياً أم لا، بل من له مصلحة في وصف كل مطالبة بالعدالة الاقتصادية بأنها شعبوية؟فحين تعود السياسة إلى الحديث عن الأسعار، فهي لا تنزل إلى مستوى سهل، بل تعود إلى جوهر وظيفتها الأصلية: حماية التوازن الاجتماعي، والدفاع عن الفئات الأكثر هشاشة، وإعادة الاعتبار للمواطن داخل المعادلة الاقتصادية.
الشعبوية تبدأ حين يُكذب على الناس. أما الدفاع عن قدرتهم الشرائية، والمطالبة بأسواق عادلة، ورفض الريع، فليس كذباً، بل ربما هو بداية استعادة السياسة لمعناها الحقيقي