بقلم : عدنان بنشقرون
رغم أن التوازنات الاقتصادية الكلية لا تزال مستقرة إلى حد كبير، مع تراجع تدريجي للتضخم، وسيطرة على المالية العمومية، واستمرار إشادة المؤسسات الدولية بمصداقية الاقتصاد المغربي، فإن هذه المكتسبات، على أهميتها، لم تعد كافية لإقناع المواطنين الذين يواجهون تحديات يومية تمس قدرتهم الشرائية وفرصهم في الشغل.
ويظل أول ورش ينتظر الحكومة المقبلة هو التشغيل. فمنذ سنوات، لا تنعكس وتيرة النمو الاقتصادي بالشكل الكافي على إحداث مناصب شغل دائمة وذات جودة. ولذلك، فإن الحكم الحقيقي على أداء الحكومة سيكون من خلال قدرتها على خلق فرص عمل، خاصة لفائدة الشباب حاملي الشهادات. فالأرقام الاقتصادية الإيجابية لا تكتسب معناها الكامل إذا لم تترجم إلى تحسن ملموس في حياة الأسر.
أما التحدي الثاني، فيتمثل في تحسين جودة النمو الاقتصادي. فرغم أن المواسم الفلاحية الجيدة تساهم في دعم الاقتصاد الوطني، فإنها تكشف في الوقت نفسه استمرار ارتباط النمو بالظروف المناخية. ومن هنا تبرز ضرورة تسريع تنويع الاقتصاد نحو الصناعة والخدمات ذات القيمة المضافة، والتكنولوجيات الرقمية، والاقتصاد الأخضر، بما يقلل من هشاشته أمام التقلبات المناخية.
ومن بين الأوراش الأساسية أيضًا، إرساء ثقافة جديدة لتدبير الإنفاق العمومي. فبعدما كان تقييم السياسات العمومية يعتمد أساسًا على حجم الاعتمادات المالية المرصودة، أصبح المطلوب اليوم قياسها بمدى تحقيقها للنتائج. فكل مشروع استثماري، أو برنامج اجتماعي، أو بنية تحتية، أو تظاهرة دولية، ينبغي أن يخضع لتقييم شفاف يحدد مردوديته الاقتصادية والاجتماعية ومدى انعكاسه على حياة المواطنين.
كما يمثل تعزيز الدولة الاجتماعية تحديًا دقيقًا. فاستكمال تعميم الحماية الاجتماعية، وإصلاح المنظومة الصحية، ودعم الأسر، والارتقاء بالمدرسة العمومية، كلها أوراش تحتاج إلى موارد مالية مستدامة. وسيكمن الرهان في الحفاظ على هذه الدينامية دون الإخلال بالتوازنات المالية أو الرفع المفرط لمستوى المديونية.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري النظر إلى الدين العمومي بمنظور أكثر عمقًا. فليس حجمه وحده هو المهم، بل أيضًا كيفية توظيفه، وكلفة تمويله، ومدى مساهمته في تمويل استثمارات منتجة تخلق الثروة وفرص العمل. فالاقتراض الذي يوجه لبناء اقتصاد المستقبل يختلف عن ذلك الذي يخصص فقط لتغطية النفقات الجارية.
كما سيكون على الحكومة المقبلة اعتماد ثقافة جديدة في تدبير المخاطر. فقد بينت الأزمات الصحية والمناخية والطاقية والجيوسياسية أن إعداد الميزانية لم يعد يمكن أن يبنى على سيناريوهات متفائلة فقط، بل ينبغي أن يتضمن هوامش احتياطية وآليات تسمح بالتكيف السريع مع الصدمات الخارجية.
في المقابل، ينبغي أن يخدم الانفتاح الاقتصادي للمغرب بشكل أكبر خلق القيمة داخل الاقتصاد الوطني. فالاستثمارات الأجنبية، والاتفاقيات التجارية، والتظاهرات الدولية التي تحتضنها المملكة، مطالبة بإحداث أثر أقوى على المقاولات الوطنية، خاصة الصغرى والمتوسطة، وعلى الابتكار والتشغيل وتعزيز النسيج الإنتاجي المحلي.
ولا شك أن المغرب يمتلك اليوم العديد من عناصر القوة، من بينها الاستقرار المؤسساتي، والمصداقية المالية، والبنيات التحتية الحديثة، والموقع الجيوستراتيجي المتميز. غير أن هذه المؤهلات لم تعد تمثل هدفًا في حد ذاتها، بل أصبحت قاعدة ينبغي البناء عليها لتحقيق تنمية أكثر شمولًا.
لذلك، ستجد الحكومة المقبلة نفسها أمام أرضية اقتصادية متماسكة نسبيًا، لكنها ستكون مطالبة بإصلاح العديد من الاختلالات الداخلية. فالمغاربة لم يعودوا ينتظرون فقط ميزانيات طموحة أو وعودًا كبيرة، بل ينتظرون نتائج قابلة للقياس تنعكس مباشرة على حياتهم اليومية.
في نهاية المطاف، لا يقاس نجاح السياسة الاقتصادية فقط بنسبة النمو أو بحجم الإنفاق العمومي، وإنما بالإجابة عن سؤال بسيط : هل يساهم كل درهم من المال العام في تحسين حياة المواطنين فعلًا؟ ذلك هو الاختبار الحقيقي الذي ستواجهه الحكومة المقبلة، وهو المعيار الذي سيقيس به المواطنون أداءها يومًا بعد يوم