كتاب الرأي

الحريات العامة : غيابها مكلف، ووجودها مجدٍ


غالبًا ما تُناقش الحريات العامة من منظور قانوني أو أخلاقي. حرية التعبير، الحق في التظاهر السلمي، تعددية الآراء : تُعتبر هذه المبادئ ضمانات ديمقراطية، ونادرًا ما ينظر إليها كأدوات اقتصادية. ومع ذلك، من خلال الدعوة إلى تفسير ديمقراطي للحريات العامة، يبرز الميثاق الوطني للشباب الصادر في 11 يناير رابطًا جوهريًا : حيث تكون الحريات ضعيفة، تكون الاقتصاديات هشّة أيضًا.



من الناحية الاقتصادية، غياب الحريات العامة يخلق مناخًا من اللا يقين. يتردد الشباب في التعبير عن آرائهم، أو الانخراط في المشاريع، أو الابتكار خوفًا من العقوبات أو الوصم الاجتماعي، هذا الشكل من الرقابة الذاتية يُعيق الإبداع، ويحد من المبادرة، ويُفقِر النقاش العام. في المقابل، تعتمد الاقتصاديات الحديثة بالأساس على تداول الأفكار، ومواجهة وجهات النظر المختلفة، والقدرة على تحدي الوضع القائم.
 

على العكس، فإن المجتمعات التي تكفل حرية التعبير تتمتع بميزة تنافسية خفية لكنها حاسمة. تنتقل الأفكار بسرعة أكبر، وتُكتشف الأخطاء مبكرًا، وتبرز الابتكارات بسهولة أكبر. بالنسبة للشباب، تعد هذه البيئة حاسمة، لأنها تحدد قدرتهم على إنشاء المشاريع، والاستثمار في مسارات محفوفة بالمخاطر، والمشاركة في قطاعات جديدة.
 

تلعب الحريات العامة أيضًا دورًا مهمًا في جذب الاستثمارات. يفضل المستثمرون ورواد الأعمال والكفاءات البيئات التي تكون فيها قواعد اللعبة واضحة، وحيث يكون النقد ممكنًا، تُحل النزاعات بطريقة سلمية. شباب قادر على التعبير بحرية هو إشارة على الاستقرار ونضج المؤسسات، و هو بذلك يحظى بتقدير يتجاوز الحدود الوطنية.
 

من منظور السياسات العمومية، قد يبدو تقييد حرية التعبير وسيلة قصيرة المدى لاحتواء التوترات. لكن هذا الاختيار يحمل تكلفة مؤجلة. تتحول الإحباطات المكبوتة إلى انسحاب من المشاركة السياسية، أو العمل في الاقتصاد غير المهيكل ، أو الاحتجاج المضمر.  ويتأثر الاقتصاد بذلك سلبًا : تنخفض مستويات الثقة، ويتراجع الاستثمار، وتهاجر الكفاءات. فالصمت لن يكون أبدًا محايدًا اقتصاديًا.
 

يشدد الميثاق على الحق في التظاهر السلمي. هنا أيضًا، يتجاوز الأمر رمزية الحدث. فإمكانية الاحتجاج بلا عنف تُعد آلية لضبط المجتمع، تُنبه إلى الخلل قبل أن يتحول إلى أزمة كبرى. ومن منظور اقتصادي، تعد هذه أداة وقائية أكثر فعالية — وأقل تكلفة — مقارنة بإدارة الصراعات المفتوحة.
 

بالنسبة للشباب المغربي، ترتبط مسألة الحريات العامة ارتباطًا وثيقًا بالكرامة. أن يجدوا من يستمع إليهم، أن يستطيعوا التعبير عن تطلعاتهم، و أن ينتقدوا الأمور دون أن يتم استبعادهم : كل ذلك يؤثر مباشرة على علاقتهم بالعمل، والدولة، والمستقبل. الشباب الذي يشعر بالاحترام يكون أكثر استعدادًا للاستثمار في مجهوداته، ويستطيع أن يقبل بالتسوية، ويشارك بشكل فاعل في العمل الجماعي.
 

هناك أيضًا علاقة وثيقة بين الحريات العامة والابتكار الاجتماعي. الكثير من الحلول لمشاكل اقتصادية تنشأ خارج المؤسسات التقليدية : جمعيات، مجموعات، مبادرات مدنية. بدون مساحة من الحرية، تتوقف هذه الديناميات أو تبقى هامشية. في إطار ديمقراطي واضح، تتحول هذه المبادرات إلى مختبرات أفكار منخفضة التكلفة تصب في مصلحة المجتمع.
 

الوثيقة لا تدعو إلى حرية بلا قواعد. بل تُطالب بتفسير ديمقراطي متوازن، يحترم النظام العام وحقوق الآخرين. هذا التوازن هو بالضبط ما يُمكّن من الجمع بين الاستقرار والدينامية الاقتصادية.
 

في أفق عام 2040، سيواجه المغرب خيارات معقدة وأحيانًا غير شعبية. بدون حريات عامة فعّالة، ستُعتبر هذه الخيارات مفروضة، وبالتالي مُعترَضًا عليها. ومع وجودها، يمكن مناقشتها وفهمها وتبنّيها. الحريات ليست تكلفة على الاقتصاد، لكن غيابها يُدفع ثمنه دائمًا، عاجلًا أم آجلًا.


 





الثلاثاء 13 يناير 2026
في نفس الركن