كتاب الرأي

الحرب على إيران : ماذا لو أنني لم أفهم شيئًا؟

وماذا لو لم يكن الدافع الحقيقي هو الأخلاق ولا فلسطين، بل إعادة هندسة نظام إقليمي جديد؟


خلف الضربات العسكرية والتهديدات والتصريحات الحازمة، تبرز قراءة أخرى للمشهد. قراءة تفترض وجود تسلسل استراتيجي تحاول من خلاله واشنطن تحويل مظلتها الأمنية إلى مكاسب سياسية واقتصادية، بينما تسعى إسرائيل إلى إزالة ما تعتبره تهديدًا وجوديًا، في حين تفضل بعض الملكيات السنية احتواء إيران دون أن تتحمل الكلفة المباشرة لحرب شاملة. قد لا تفسر هذه الفرضية كل شيء، لكنها تضيء الكثير من جوانب المشهد.



بقلم : عدنان بنشقرون

في جوهر الأمر، لا يتعلق السؤال بما إذا كنا أمام “مؤامرة سرية” محكمة التخطيط. السؤال الأكثر إرباكًا ببساطة هو  : هل توجد تقاطعات فعلية في المصالح بين دونالد ترامب وإسرائيل وعدد من ملكيات الخليج لإعادة تشكيل المنطقة على أساس إضعاف إيران بشكل دائم؟ حتى الآن، لا تسمح الوقائع المتاحة بالحديث عن اتفاق سري من نوع “التطبيع مقابل تدمير الهلال الشيعي”. غير أنها تكشف بوضوح عن شبكة من المصالح المتقاطعة اقتصادياً وعسكرياً وجيوسياسياً.
 

العنصر الأول في هذه المعادلة هو ترامب نفسه. خلال ولايته الأولى، جعل من اتفاقيات أبراهام إنجازًا دبلوماسيًا رئيسيًا. ومع عودته إلى البيت الأبيض، كانت أولى زياراته الدولية الكبرى موجهة نحو الخليج، حيث أعلن بوضوح أولوياته : استثمارات ضخمة في الولايات المتحدة، عقود تجارية، اتفاقيات دفاعية، وإعادة تأكيد التحالف الاستراتيجي مع السعودية وقطر والإمارات.

وقد تحدثت الإدارة الأمريكية عن التزامات اقتصادية إقليمية تتجاوز ألفي مليار دولار، من بينها 600 مليار دولار مع الرياض، و1.2 تريليون دولار في التبادلات الاقتصادية مع قطر، وأكثر من 200 مليار دولار في اتفاقيات جديدة مع الإمارات.
 

العنصر الثاني يتعلق بإسرائيل. بالنسبة للدولة العبرية، لا تمثل إيران مجرد ملف من بين ملفات أخرى، بل تعتبر التهديد البنيوي المركزي : برنامج نووي، قدرات صاروخية، وشبكات حلفاء في المنطقة توفر لها عمقًا استراتيجيًا معاديًا.

في هذا السياق، تُعد أي إعادة ترتيب إقليمي تعزل طهران أو تضعف نفوذها مكسبًا استراتيجيًا كبيرًا في نظر صناع القرار في تل أبيب. وقد أفادت وكالة رويترز في 24 مارس 2026 بأن مسؤولين إسرائيليين كبارًا يرون أن ترامب يبدو مصممًا على التوصل إلى اتفاق مع إيران لإنهاء الأعمال العدائية، رغم أن نجاح مثل هذا المسار لا يزال محل شك في إسرائيل. هذا التباين يكشف معضلة واشنطن الدائمة بين منطق الصفقات البراغماتية ومنطق الأمن الإسرائيلي.
 

أما العنصر الثالث فيتمثل في ملكيات الخليج السنية. هنا تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. صحيح أن السعودية ودولاً خليجية أخرى تنظر إلى إيران باعتبارها تهديدًا استراتيجيًا. وصحيح أيضًا أن احتواء ما يسمى بـ“الهلال الشيعي” يخدم مصالحها الأمنية. كما أن تقاطع المصالح مع إسرائيل ضد التمدد الإيراني في المنطقة أمر قائم في بعض الملفات.
 

لكن هذا لا يعني بالضرورة أن هذه الدول ترغب في حرب شاملة تخوضها الولايات المتحدة نيابة عنها. فقد أظهرت تقارير رويترز في الأيام الأخيرة أن دول الخليج حذرت واشنطن من أن أي تصعيد عسكري ضد البنية التحتية الإيرانية قد يدفع طهران إلى ردود انتقامية تستهدف منشآتها الحيوية، خصوصًا منشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه. بعبارة أخرى: احتواء إيران نعم، لكن دون الانجرار إلى مواجهة قد تحرق الجميع.
 

وهنا تحديدًا تصبح القراءة الطائفية البسيطة، القائمة على ثنائية “سنة مقابل شيعة”، غير كافية لفهم الواقع. فمع أن البعد الطائفي حاضر في المخيال السياسي للمنطقة، فإن الدول تتصرف أولاً وفق منطق البقاء وتوازن القوة وحساب الكلفة.

فالسعودية لا تفكر فقط بوصفها دولة سنية في مواجهة إيران الشيعية، بل كقوة إقليمية معرضة للتهديد وتعتمد على بنية تحتية حساسة وعلى استقرار داخلي وجاذبية اقتصادية دولية. وينطبق الأمر ذاته على الإمارات وقطر. فعندما تتطاير الصواريخ، تصبح المصافي النفطية والموانئ الجوية ومحطات التحلية أكثر أهمية من الشعارات.
 

يبقى السؤال المحوري : هل يرتبط مسار التطبيع بين السعودية وإسرائيل أساسًا بملف إيران أم بالقضية الفلسطينية؟ رسميًا، الموقف السعودي واضح : لا علاقات دبلوماسية مع إسرائيل دون قيام دولة فلسطينية، أو على الأقل دون مسار سياسي موثوق يقود إلى ذلك. وقد نقلت رويترز هذا الموقف مرارًا، بما في ذلك ردًا على تصريحات ترامب وبنيامين نتنياهو. لذلك سيكون من غير الدقيق القول إن السعودية استبدلت الشرط الفلسطيني بشرط إيراني.
 

لكن من الخطأ أيضًا اعتبار هذا الموقف العلني الحقيقة الاستراتيجية الوحيدة. ففي الحسابات الواقعية، يظل الملف الإيراني عنصرًا حاسمًا في المعادلة. فإيران أضعف، وضمانات أمنية أمريكية أقوى، وبيئة إقليمية أكثر انضباطًا تحت المظلة الأمريكية، كلها عوامل من شأنها أن تغير سياق النقاش حول التطبيع. بمعنى آخر، تبقى فلسطين الشرط الرسمي، بينما يشكل الملف الإيراني متغيرًا حاسمًا في خلفية المشهد. الأمر ليس صفقة سرية بقدر ما هو تراكم لمصالح ضمنية متقاطعة.
 

وعليه، فإن التفسير الأكثر تماسكًا لا يقوم على فرضية “صفقة سرية” واضحة المعالم، بل على معادلة أكثر تعقيدًا وربما أكثر إثارة للقلق، ترامب يسعى إلى تحويل المظلة العسكرية الأمريكية إلى استثمارات وصفقات سلاح ونفوذ سياسي، وإسرائيل تحاول جعل المواجهة مع إيران المبدأ المنظم للنظام الإقليمي الجديد، أما ملكيات الخليج فتأمل في الاستفادة من هذا الترتيب لتخفيف الضغط الإيراني عنها، دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة لا يمكن التحكم في نتائجها.
 

كل طرف يتحرك وفق مصالحه الخاصة، وهذه الاختلافات في الأهداف هي بالضبط ما يجعل الوضع هشًا وغير مستقر، لهذا السبب، قد لا تكون عبارة “ماذا لو أنني لم أفهم شيئًا؟” خاطئة تمامًا. فهي تلامس ربما جوهر اللحظة الراهنة: هناك بالفعل محاولة لإعادة تنظيم الشرق الأوسط حول محور أمني مناهض لإيران، تموله ملكيات الخليج، وتضمنه الولايات المتحدة، وتراه إسرائيل ضرورة استراتيجية.
 

غير أن الدقة تقتضي التأكيد على أن هذه المعادلة لا تلغي القضية الفلسطينية بالكامل، كما أنها لا تتجسد في اتفاق واحد سري وقع خلف الأبواب المغلقة، إنها عملية أكثر ضبابية، وأكثر براغماتية، وربما أكثر قسوة : تقاطع مصالح دون تحالف معلن بالكامل. وغالبًا ما تبدأ التحولات الكبرى في الجغرافيا السياسية بهذه الطريقة تحديدًا





الأربعاء 25 مارس 2026
في نفس الركن