بقلم عدنان بنشقرون - ترجمة عائشة بوسكين
في الميثاق الوطني للشباب الصادر في 11 يناير، لم تكن مسألة التعليم العمومي العادل والتوجيه المبكر مسألة عابرة. فهي تمس جوهر النموذج الاقتصادي المغربي. فالتوجيه لا يعني إخبار الطالب بالمسارات المحتمل اتباعها فقط، بل يعني على المدى الطويل تنظيم الطريقة التي يُكوّن بها البلد قوته العاملة، ويوزع كفاءاته، ويحوّل رأس ماله البشري إلى ثروة منتجة.
اليوم، يبقى التوجيه المدرسي في المغرب إلى حد كبير نظريًا ومتأخرًا وغير متكافئ. ففي المدن الكبرى، يتمتع بعض الطلاب بمرافقة غير رسمية عبر الأسرة أو الشبكات الاجتماعية أو القطاع الخاص. أما في مناطق أخرى، وخاصة في الأرياف والمناطق النائية، فيختزل التوجيه غالبًا في سلسلة من القرارات العشوائية، نسلك المسار "حتى تتعثر الأمور"، مما يُعالج الوضع بطريقة ارتجالية تفتقد للرؤية والاستراتيجية.
هذا النظام له تكلفة اقتصادية ضخمة، لكنها نادرًا ما تُقدر بالأرقام. فكل طالب يسلك مسارًا دون مخرج حقيقي يمثل هدرًا مزدوجًا: النفقات العامة المصروفة (معلمون، بنية تحتية، منح) وإمكانات إنتاجية مجمدة لسنوات عديدة. وعلى المستوى الوطني، يتجسد ذلك في تراكم الخريجين الذين يعملون في وظائف دون المستوى، أو يشعرون بالإحباط، أو يُضطرون للانخراط في الاقتصاد غير المهيكل.
ينبغي أن يُنظر إلى التوجيه المدرسي باعتباره أداة لتوزيع الكفاءات بشكل فعال. فالدولة التي تستثمر في التعليم دون توجيه واضح لمسارات الطلاب، تشبه مؤسسة توظف موظفين بلا خطة استراتيجية. ينتج هذا الوضع كفاءات، لكنها قد لا تلبي احتياجات الاقتصاد، ولا تتوضع في الأماكن التي يتطلبها السوق.
التحدي له بعد إقليمي أيضًا. فاحتياجات المناطق الزراعية أو الصناعية أو السياحية تختلف عن بعضها البعض. ومع ذلك، تبقى المسارات الدراسية إلى حد كبير متجانسة. والنتيجة: مناطق تستورد كفاءات جديدة، في حين يهاجر شبابها إلى المدن الكبرى أو يغادرون البلاد. التوجيه الذي يتوافق بشكل أفضل مع الواقع المحلي يمكن أن يساهم في إبقاء القيمة المضافة في مكانها، وتعزيز الاقتصادات الإقليمية، وتقليص الفوارق الجهوية.
هناك بعد اجتماعي عميق أيضًا. فغياب التوجيه المبكر يزيد من الفوارق منذ البداية. الطلاب من أوساط ميسورة يعرفون كيف يتجاوزون العقبات، أما الآخرون فيكتشفونها متأخرين جدًا. وهكذا، يصبح التراجع ليس اقتصاديًا فحسب، بل نفسيًا أيضًا. ويغذي شعورًا بالظلم يُضعف الثقة في المدرسة، ثم في المؤسسات العامة.
من منظور الماكرو اقتصادي، يشكّل التوجيه المدرسي الفعّال آلية مخففة للصدمات. فهو يقلّل الهدر المدرسي، ويسهّل عملية الانتقال بين التعليم وسوق العمل، ويزيد من الإنتاج الوطني. وتظهر التجارب الدولية أن البلدان التي استثمرت بجدية في أنظمة توجيه متكاملة – تربط بين المدرسة، والتكوين المهني، والقطاع الخاص – قد حققت معدلات بطالة أقل بين الشباب ومسارات مهنية أكثر استقرارًا.
تستلزم إعادة النظر في التوجيه المدرسي بالمغرب كسر الرؤية الأكاديمية التقليدية للمسار التعليمي، فالأمر لا يتعلق بترتيب التخصصات حسب الأولوية، بل بجعلها مفهومة، قابلة للتغيير، ومرتبطة بالواقع العملي. إن إعطاء قيمة للمسارات التقنية والمهنية ليس مجرد شعار، بل ضرورة اقتصادية حقيقية.
يفتتح الميثاق الوطني للشباب الصادر في 11 يناير ثغرة مهمة بجعل التوجيه حقًا، لا ترفًا. ويذكر ضمنيًا أن المساواة في الفرص تبدأ قبل الوصول إلى سوق العمل بوقت طويل. فهي تبدأ من الوصول إلى المعلومات، والمرافقة، واتخاذ خيارات واقعية.
في بلد يتميز بشبابه مثل المغرب، تجاهل هذه الجوانب بحلول 2040 يعادل تفويت فرصة الاستفادة من العائد الديموغرافي. وعلى العكس، فإن الاستثمار في توجيه مدرسي ذكي، متوافق مع الخصوصيات الإقليمية، ومبكر في توقيته، يمثل أحد أقوى أدوات النمو الاقتصادي وأكثرها خفاءً وتأثيرًا.
السياسة الأساسية للتشغيل ليست مجرد برنامج دعم أو آلية إدماج متأخرة، بل أداة توجيه مبكرة تمنح الشباب الاتجاه الصحيح. اليوم، كثير من الشباب يتقدمون دون مسار محدد، بينما الاقتصاد يتحرك بوتيرة لا تنتظر أحدًا.