كتاب الرأي

التكوين على مواجهة عدم اليقين الاقتصادي : المهارة الأساسية في القرن الحادي والعشرين


على مدى عقود، اعتمد النظام التعليمي والتكويني على وعد ضمني : الحصول على شهادة، ممارسة مهنة، واتباع مسار مستقر نسبيًا. هذا الوعد يتآكل بسرعة. الأزمات الصحية، التحولات التكنولوجية، التغيرات المناخية، وإعادة تشكيل سلاسل القيمة جعلت الاقتصاد المعاصر أساسًا غير مستقر. ومن خلال التأكيد على ضرورة تعزيز قدرة الشباب على التكيف والمرونة، يلمس الميثاق الوطني للشباب الصادر في 11 يناير إحدى المهارات الاقتصادية الأكثر حسمًا في عصرنا



التكوين على مواجهة عدم اليقين الاقتصادي لا يعني إعداد الشباب للهشاشة. بل يعني تزويدهم بالأدوات اللازمة للتنقل في بيئات غير مستقرة، والتعامل مع الانقطاعات، وتحويل الصدمات إلى فرص. ومع ذلك، فإن هذه المهارة غائبة إلى حد كبير عن المسارات التعليمية التقليدية، التي ما تزال تركز على تراكم المعارف الثابتة.


من الناحية الاقتصادية، أصبحت المرونة الفردية عاملًا رئيسيًا للتنافسية الجماعية. قوة عاملة قادرة على التكيف بسرعة تقلل من تكاليف التحول للشركات، وتسرع تبني الابتكارات، وتحد من الخسائر الصافية في الوظائف أثناء الأزمات. على العكس، سوق عمل جامد وغير مستعد للتغيير يزيد من حدة الصدمات ويبطئ التعافي.


الشباب المغربي معرض مباشرة لهذه التحولات.الأتمتة، الذكاء الاصطناعي، والتحول الطاقي يعيدون رسم المهن أسرع مما تستطيع أنظمة التكوين التكيف معه. في هذا السياق، التكوين في مهارات تقنية فقط دون تطوير القدرة على التعلم المستمر يعني إنتاج مهارات قابلة للتقادم المبرمج.


المرونة لا تُفرض، بل تُبنى. وهي تقوم على مهارات عرضية : تعلم كيفية التعلم، إدارة الفشل، اتخاذ القرارات في ظل اللايقين، والتعاون في بيئات متغيرة. هذه المهارات اليوم مهمة بقدر المهارات التقنية، لكنها لا تزال قليلة التقدير في التقييم المدرسي والمهني.


من المنظور الماكرو اقتصادي، يشكل الشباب المرن عنصر استقرار تلقائي. عندما يتراجع قطاع ما، يمكنهم إعادة التأهيل بسرعة أكبر. وعندما تظهر فرصة جديدة، يكونون قادرين على الاستفادة منها دون انتظار إصلاحات كبيرة. هذه المرونة تقلل من التكلفة الاجتماعية لإعادة الهيكلة وتزيد من قدرة الاقتصاد على الابتكار.


الأمر مهم بشكل خاص للشباب في المناطق الهشة. حيث تكون الفرص نادرة والصدمات أشد، تصبح المرونة شرطًا للبقاء الاقتصادي. بدون دعم، يواجه هؤلاء الشباب التحولات. ومع الأدوات الصحيحة، يمكن أن يصبحوا فاعلين فيها، بل وحتى رواد أعمال.


التكوين على مواجهة عدم اليقين الاقتصادي يستدعي أيضًا إعادة النظر في العلاقة بالمخاطرة. في العديد من المسارات، يظل الفشل مرتبطًا بالوصمة، مما يثبط المبادرة. ومع ذلك، في اقتصاد ديناميكي، يُعد الفشل غالبًا خطوة ضرورية. الدول الأكثر ابتكارًا هي التي تعلمت كيف تؤمن المسارات دون تجميدها.


يفتح الميثاق الوطني للشباب الصادر في 11 يناير بذلك باب التفكير  : كيف نعد الشباب ليس لوظيفة محددة، بل لحياة مهنية مليئة بالتحولات؟ هذه المقاربة تكسر الرؤية الخطية للعمل وتدعو لبناء أنظمة أكثر مرونة وشمولية وسرعة استجابة.


في أفق 2040، لن تكون الفجوة الحقيقية بين الحاصلين على شهادات وغير الحاصلين عليها، بل بين من يعرف كيف يتكيف ومن يتجاوز الأحداث الصعبة . التكوين على مواجهة عدم اليقين الاقتصادي هو استثمار في الاستدامة الاقتصادية للبلاد. شباب مرن لا يلغي الأزمات، لكنه يمنع أن تتحول إلى كوارث مستدامة.





الاثنين 12 يناير 2026
في نفس الركن