كتاب الرأي

التحفيز عبر الاستهلاك أم التحفيز عبر العرض : المعضلة الكبرى لانتخابات 2026


مع اقتراب الانتخابات التشريعية، تنغلق القيادات الحزبية في اجتماعات مغلقة، وتكثف مشاوراتها، وتختبر شعاراتها الانتخابية. لكن خلف هذا النشاط السياسي الظاهري، يظل سؤال أساسي يفرض نفسه: كيف يمكن إنعاش الاقتصاد المغربي بشكل مستدام؟



بقلم : عدنان بنشقرون

إن النقاش، رغم طابعه التقني، يخفي في العمق رؤيتين مختلفتين لمستقبل البلاد.


تقوم الرؤية الأولى على تحفيز الاستهلاك. أنصار هذا الاتجاه ينطلقون من واقع بسيط: جزء مهم من الأسر المغربية، خصوصاً الطبقة الوسطى، يعيش تحت ضغط متزايد. ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وتكاليف السكن، والصحة، والتعليم، والنقل، كلها عوامل قلّصت من القدرة الشرائية للأسر بشكل ملحوظ.


وفق هذا التصور، الأولوية هي إعادة ضخ القوة الشرائية بشكل مباشر. تخفيض بعض الضرائب، دعم موجه للدخل، محاربة الريع، تحسين مراقبة سلاسل التوزيع، وإعادة النظر في الجبايات الموجهة للطبقة الوسطى. الهدف واضح: تنفّس الأسر ودفع الطلب الداخلي.


لأن زيادة الاستهلاك تؤدي تلقائياً إلى ارتفاع المبيعات، ثم الإنتاج، ثم العائدات الضريبية. كما أن هذه المقاربة تحمل ميزة سياسية مهمة: نتائجها تظهر بسرعة في حياة المواطنين.


لكن هذه الاستراتيجية لا تخلو من حدود. فالاعتماد المفرط على الاستهلاك قد يؤدي إلى زيادة الواردات بدل دعم الإنتاج المحلي، كما قد يخلق ضغوطاً تضخمية إذا لم يكن العرض قادراً على مواكبة الطلب.


في المقابل، هناك رؤية ثانية تدافع عن تحفيز العرض.


أنصار هذا الاتجاه يرون أن المشكلة الأساسية ليست في الاستهلاك، بل في إنتاج الثروة. لذلك يجب رفع الإنتاج، وزيادة الصادرات، وتشجيع الاستثمار، وتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني.


في هذا التصور، ينبغي للدولة أن تسهّل الاستثمار، وتقلص التعقيدات الإدارية، وتسرّع المشاريع الصناعية، وتعزز السيادة الطاقية، وتدعم الابتكار، وتمكن المقاولات من النمو بسرعة أكبر.


الفكرة المركزية هنا هي أن النمو المستدام يبدأ من الإنتاج والاستثمار، ثم ينعكس لاحقاً على الدخل والتشغيل.


وقد اعتمدت دول صاعدة كثيرة هذه المقاربة، مما سمح للمغرب بتطوير قطاعات قوية مثل السيارات والطيران والطاقات المتجددة والبنيات التحتية.


لكن هذا النموذج بدوره يطرح إشكالاً أساسياً : النتائج تحتاج وقتاً طويلاً لتظهر، ما قد يخلق فجوة بين المؤشرات الاقتصادية الإيجابية والشعور الاجتماعي بالتراجع أو التهميش.


وهنا بالضبط يكمن جوهر إشكال انتخابات 2026.


فالمغاربة لم يعودوا يبحثون فقط عن وعود بالنمو، بل عن نمو ينعكس في حياتهم اليومية: في القدرة على اقتناء السلع الأساسية، في الولوج إلى السكن، في استقرار المسارات المهنية، وفي تعزيز الحركية الاجتماعية.


إن البرنامج الانتخابي القادر على فرض نفسه في النقاش العمومي هو ذلك الذي يتجاوز هذا التقابل التقليدي بين العرض والطلب، ويقدم في الآن نفسه اقتصاداً أكثر إنتاجية ومجتمعاً أكثر إنصافاً.


لم تعد الإشكالية الحقيقية هي الاختيار بين تحفيز الاستهلاك أو تحفيز العرض.


بل أصبحت : كيف يمكن التوفيق بين المقاولة والطبقة الوسطى، بين التنافسية والقدرة الشرائية، بين النمو والكرامة الاجتماعية.


لأن الناخب في انتخابات 2026 لن يحكم على النظريات الاقتصادية، بل على أثرها المباشر في حياته اليومية.


وفي مغرب أصبحت فيه الطبقة الوسطى تطالب من جديد بمكانتها داخل العقد الاجتماعي، قد يكون هذا الاستحقاق الانتخابي المقبل هو في آن واحد انتخابات القدرة الشرائية وانتخابات النمو الاقتصادي





الاثنين 1 يونيو/جوان 2026
في نفس الركن