كتاب الرأي

التجمع الوطني للأحرار : وعود كثيرة... لكن أين الضمانات ؟ فالمغاربة لا ينسون


يعد التجمع الوطني للأحرار، في برنامجه للفترة 2026-2031، بإحداث مليون منصب شغل، واعتماد مساعدات اجتماعية مرتبطة بالتضخم، وإطلاق مرحلة جديدة من الدولة الاجتماعية. على الورق تبدو الطموحات واسعة، غير أنها في الواقع تستدعي قبل كل شيء أرقامًا دقيقة، وجدولًا زمنيًا واضحًا، وآليات للمساءلة.



بقلم : عدنان بنشقرون

مع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، اختار حزب التجمع الوطني للأحرار شعارًا يلخص طموحه : «الكرامة والفرص للجميع»، جاءت العبارة موفقة، فهي تخاطب الأسر التي ترى قدرتها الشرائية تتآكل، والشباب الباحث عن أول فرصة عمل، والمتقاعدين الذين يخشون تراجع قيمة معاشاتهم، والعائلات القلقة بشأن المدرسة والمستشفى والماء.


ويرتكز برنامج التجمع الوطني للأحرار للفترة 2026-2031 على ثلاثة محاور رئيسية: الحفاظ على القدرة الشرائية، وتعزيز الخدمات العمومية، وخفض معدل البطالة إلى أقل من 9 في المائة، مع الوعد بإحداث مليون منصب شغل. ويؤكد الحزب بذلك الانتقال من دولة اجتماعية تقوم على المساعدة إلى «دولة مواكِبة»، هدفها تمكين المواطنين من تحقيق استقلالهم الاقتصادي.


النية جديرة بالتقدير، لكنها لا تكفي. ففي هذه المرحلة، يبدو البرنامج أقرب إلى هيكل من الوعود منه إلى خارطة طريق متكاملة ومدعمة بالأرقام. وعندما يُوعَد المواطن، في الوقت نفسه، بمزيد من الدعم، ومزيد من الخدمات الصحية، ومزيد من التعليم، ومزيد من الاستثمارات، ومزيد من دعم التشغيل، ومزيد من الحماية من التضخم، فإن سؤالًا واحدًا يفرض نفسه: بأي وسائل؟ وبأي ترتيب؟ ووفق أي نتائج قابلة للقياس؟


يدرك التجمع الوطني للأحرار أن المرحلة لم تعد تسمح بالوعود الفضفاضة. فقد تعلم المغاربة استقبال الإعلانات السياسية بحذر أكبر. ولم يعودوا يكتفون بمعرفة ما الذي سيُنجز، بل يريدون معرفة متى، ولصالح من، وبأي ضمانة تضمن ألا تبقى الإجراءات عالقة بين إعلان سياسي ودورية إدارية.


ويتعلق المحور الأول من البرنامج بالقدرة الشرائية. إذ يعلن الحزب عن ربط الدعم الاجتماعي المباشر تلقائيًا بمعدل التضخم، من خلال آلية تأخذ، على وجه الخصوص، بعين الاعتبار تأثير أسعار الطاقة والكهرباء. ويتحدث عن استفادة نحو أربعة ملايين أسرة، أي ما يقارب اثني عشر مليون شخص. كما يقترح الرفع من الحد الأدنى للأجور في القطاع الصناعي والتجاري والخدمات، والتقريب التدريجي بين الحد الأدنى للأجور في القطاع الفلاحي ونظيره في القطاعات الأخرى، وإعادة تقييم المعاشات، وإقرار ائتمان ضريبي قد يصل إلى خمسة آلاف درهم عن كل طفل لتغطية مصاريف التمدرس.


ويبدو هذا التصور، من الناحية السياسية، بارعًا؛ إذ يسعى إلى مخاطبة عدة فئات من المغاربة في آن واحد: الأسر الهشة، والأجراء، والمتقاعدون، والفلاحون، وأسر الطبقة المتوسطة، والعاملون في القطاع غير المهيكل. وهنا تحديدًا يبدأ الشك. فالسياسة الاجتماعية لا تُقاس فقط بسخاء الوعود، بل أيضًا بدقة الآليات التي تقوم عليها.
ابتداءً من أي مستوى للتضخم ستتم مراجعة قيمة المساعدات؟ ما هي الصيغة التي سيُعتمد عليها في احتسابها؟ هل سيشمل الربط بالتضخم جميع المستفيدين بالطريقة نفسها؟ ما الكلفة السنوية لهذا الإجراء على المالية العمومية؟ وماذا سيحدث إذا تراجعت مداخيل الميزانية أو ارتفعت النفقات غير المتوقعة؟


ويطرح الائتمان الضريبي المخصص لمصاريف التمدرس بدوره سؤالًا آخر. فقد يخفف العبء عن جزء من الطبقة المتوسطة، لكنه يفترض أن تكون الأسر خاضعة فعلًا للضريبة وقادرة على الاستفادة من هذا النظام. في المقابل، فإن الأسر الأكثر هشاشة، والتي غالبًا ما تتحمل أكبر أعباء تكاليف الدراسة، ليست بالضرورة الأكثر استفادة من ائتمان ضريبي. وبعبارة أخرى، قد يكون الإجراء عادلًا من حيث المبدأ، لكنه يظل غير متكافئ اجتماعيًا من حيث آثاره.


ويتضمن البرنامج أيضًا إحداث حساب ادخار مبسط، موجه خصوصًا للعاملين في القطاع غير المهيكل، مع مساهمة من الدولة بقيمة 0.25 درهم عن كل درهم يتم ادخاره.


وتستحق الفكرة الاهتمام، لأنها تعترف أخيرًا بأن ملايين المغاربة يشتغلون وينتجون ويستهلكون دون أن يستفيدوا من الحماية نفسها التي يتمتع بها الأجراء المصرح بهم. لكن، مرة أخرى، لن يكمن التحدي في ابتكار هذا المنتج المالي، بقدر ما سيكمن في بناء الثقة.

كيف يمكن إقناع عامل يعيش في وضعية هشة بتجميد جزء من أمواله لمدة أربعة وعشرين شهرًا؟
وكيف يمكن تفادي أن يتحول هذا الإجراء إلى مجرد صيغة تكنوقراطية جميلة، لكنها بعيدة عن متناول من يعيشون يومًا بيوم؟


ويتعلق المحور الثاني من البرنامج بالخدمات العمومية: الماء، والطاقة، والتعليم، والصحة. وبعبارة أخرى، بكل ما يشكل الحياة اليومية للمواطنين ويغذي اليوم جزءًا كبيرًا من حالة الإحباط الاجتماعي.


في ما يتعلق بالماء، يعد التجمع الوطني للأحرار بتسريع إنجاز السدود، وتحلية مياه البحر، ومشاريع تحويل المياه بين الأحواض، وتجميع مياه الأمطار، وتوسيع الري الموضعي. ومن الصعب الاعتراض على هذه الأولوية. فالمغرب لم يعد بإمكانه التعامل مع الماء باعتباره مجرد ملف تقني، بل أصبح قضية سيادة، وفلاحة، وصناعة، وصحة عمومية، وتوازن مجالي. غير أن المواطنين سمعوا هنا أيضًا الكثير من الوعود، وسيرغبون في معرفة المشاريع التي ستُنجز، ومواعيد إنجازها، والجهات التي ستستفيد منها، والأثر الحقيقي الذي ستحدثه على الانقطاعات، وخسائر الشبكات، وتكلفة الماء.


أما في مجال الطاقة، فيعلن البرنامج عن تمكين الأسر من إنتاج الطاقة الشمسية ذاتيًا دون مساهمة مالية أولية، على أن يتم تسديد التكلفة تدريجيًا من خلال الوفورات المحققة في فواتير الكهرباء. تبدو الفكرة جذابة، بل وقد تتحول إلى رافعة اجتماعية وبيئية قوية. لكنها تتطلب هندسة مالية متينة، وإطارًا قانونيًا واضحًا، ومقاولين موثوقين، وحماية للمستهلكين من المعدات الرديئة أو القروض المقنعة. فلا ينبغي أن تتحول الطاقة الشمسية المنزلية إلى وعد جديد لا تنخفض فيه الفاتورة إلا في الكتيبات التعريفية.


ويحتل التعليم والصحة، دون مفاجأة، مكانة بارزة في البرنامج. فهو يعد بتعميم المدارس الرائدة، وتقليص الهدر المدرسي إلى النصف، وتوسيع عدد الجامعات، وتعزيز النقل في العالم القروي، واستكمال مدن المهن والكفاءات. وفي قطاع الصحة، يتعهد بإحداث المجموعات الصحية الترابية، واعتماد طبيب الأسرة، وتوفير أعوان صحيين في الوسط القروي، وإنشاء مستشفيات جامعية، وتأهيل مراكز العلاج، وإحداث وحدات صحية متنقلة، ورقم موحد للطوارئ الطبية، والتطبيق التدريجي لنظام الأداء من طرف الغير في القطاع العمومي.


لكن ينبغي التعامل مع الأمر بجدية: فالمدرسة والمستشفى لا يُصلحان بمجرد إضافة مزيد من البنيات، فالمغرب يعرف بالفعل قائمة الأولويات. وما ينقصه في الغالب ليس التشخيص، بل الموارد البشرية، والحكامة المحلية، والتقييم المستقل، والاستمرارية في التنفيذ. فالمدرسة الرائدة ليست معجزة إذا لم يحظ المدرسون بالمواكبة اللازمة. والمستشفى الجديد لا يحل شيئًا إذا كان يفتقر إلى الأطباء والممرضين والتجهيزات أو إلى مواعيد علاج متاحة. كما أن رقم الطوارئ لا ينقذ أحدًا إذا وصلت سيارة الإسعاف بعد فوات الأوان.


وفي نهاية المطاف، يظل التشغيل هو جوهر البرنامج السياسي. إذ يطمح التجمع الوطني للأحرار إلى إحداث مليون منصب شغل خلال الفترة 2026-2031، موزعة على 300 ألف منصب في الصناعة، و250 ألفًا في الاقتصاد الرقمي، و150 ألفًا في الفلاحة والعالم القروي، و100 ألف في السياحة، و100 ألف في الصناعة التقليدية والخدمات، و100 ألف بفضل الأوراش الكبرى المرتبطة بكأس العالم 2030. كما يعلن الحزب عن سياسة للإدماج المهني قد تشمل ما يصل إلى 250 ألف شخص سنويًا.


مليون منصب شغل : رقم مستدير، سهل الحفظ، وقادر على تعبئة الرأي العام. وربما يكون سهلًا أكثر مما ينبغي. إذ يجب أولًا توضيح المقصود به.


هل يتعلق الأمر بمناصب شغل صافية أم بعدد إجمالي للمناصب؟

هل هي عقود دائمة أم وظائف مؤقتة؟

هل هي وظائف مصرح بها وتستفيد من الحماية الاجتماعية، أم أنشطة هشة تُدرج ضمن الإحصائيات؟


فالأحداث الكبرى والأوراش الضخمة تخلق غالبًا فرص عمل، لكنها قد تنتج أيضًا يدًا عاملة مؤقتة، قليلة التأهيل، وسرعان ما يتم الاستغناء عنها بمجرد انتهاء الأشغال.


ويتضمن البرنامج أيضًا تخصيص منحة أكثر سخاءً للعودة إلى العمل، تمتد إلى اثني عشر شهرًا، إلى جانب إحداث نظام خاص بالعمال الموسميين. وتستجيب هذه الإجراءات لواقع اجتماعي قائم، لكنها تطرح سؤالًا آخر: هل تريد الدولة فقط تحسين مواكبة فترات البطالة، أم أنها قادرة فعلًا على إحداث تحول دائم في بنية سوق الشغل؟


فالحد من البطالة لا يتحقق بمرسوم. وإنما ينخفض معدلها عندما يرتفع الاستثمار المنتج بشكل فعلي، وعندما تتمكن المقاولات الصغرى والمتوسطة من الولوج إلى التمويل، وعندما تتلاءم منظومة التكوين مع حاجيات المقاولات، وعندما يتراجع القطاع غير المهيكل، وعندما تتوفر مختلف الجهات على فرص متقاربة. وقد يشكل كأس العالم 2030 دفعة قوية، لكنه لا يمكن أن يكون مبررًا لاستراتيجية تشغيل بأكملها
 
برنامج طموح... لكنه مطالب بإثبات جديته


قدم التجمع الوطني للأحرار برنامجًا طموحًا، غنيًا بالمقترحات، ويبدو في بعض جوانبه منسجمًا مع أولوياته المعلنة. غير أن هذا الطموح مطالب اليوم باجتياز الاختبار الأبسط والأكثر صعوبة في الوقت نفسه: اختبار التحقق.


ولا ينبغي للناخبين أن يكتفوا بقراءة قائمة من الوعود، بل عليهم المطالبة بتقدير إجمالي للتكاليف، ومصادر التمويل، وجدول زمني دقيق، ومؤشرات عمومية لقياس الأداء، وحصيلة سنوية. فالوعد بالكرامة أمر يسير، أما ضمانها للجميع، في كل جهة وعلى المدى الطويل، فهو أمر أكثر تعقيدًا.


وهنا سيبدأ النقاش الانتخابي الحقيقي.

المغاربة لا ينسون


في سنة 2021، كان التجمع الوطني للأحرار قد قدم بالفعل وعودًا كثيرة، وربما أكثر مما ينبغي، شملت التشغيل، والقدرة الشرائية، والخدمات العمومية، والنجاعة الاقتصادية. ومنذ ذلك الحين، تولى قيادة الحكومة ورئاسة الجهاز التنفيذي. لذلك، لا يمكنه خوض هذه الحملة الانتخابية الجديدة كما لو أنه قادم من خارج السلطة، بعيدًا عن أي حصيلة أو مسؤولية.


هذه المرة، لن تكون الوعود كافية لمحو خيبة الآمال، أو التأخر الذي يشعر به المواطنون، أو الصعوبات التي يواجهونها في حياتهم اليومية. وسيكون على الحزب أن يقنع الناخبين، لا بقوة الشعارات، وإنما بدقة التزاماته، وصدق مراجعته لذاته، وإثبات أن ما لم يتحقق بالأمس يمكن أن يتحقق فعلًا غدًا.


ففي السياسة، يمكن دائمًا الإعلان عن انطلاقة جديدة، لكن لا يمكن محو خمس سنوات من رئاسة الحكومة بمجرد برنامج انتخابي.

أربعة دروع في مواجهة غلاء المعيشة... لكن أين الضمانات؟


تحدٍّ مباشر، السيد محمد الشوكي، بشأن الدروع الأربعة المعلنة لمواجهة غلاء المعيشة :
دعم اجتماعي مرتبط فعلًا بالتضخم. ادخار أصبح أخيرًا في متناول العاملين في القطاع غير المهيكل. رفع الأجور والمعاشات. ائتمان ضريبي خاص بالتمدرس يخفف العبء عن أسر الطبقة المتوسطة.


من حيث المبدأ، يصعب عدم الترحيب بهذه الإجراءات، لأنها تستهدف بالفعل مكامن الهشاشة التي تثقل الحياة اليومية لملايين المغاربة. لكن الدرع لا يوفر الحماية إلا إذا كان متينًا، وممولًا، وفي متناول الجميع. فعند أي مستوى من التضخم سيبدأ تفعيل آلية المراجعة؟ وما حجم الميزانية التي ستضمن رفع قيمة المساعدات عندما ترتفع الأسعار؟ وكيف سيتمكن عامل في القطاع غير المهيكل، يعيش أحيانًا يومًا بيوم، من الادخار بشكل مستدام؟ وهل سيستفيد من الائتمان الضريبي أيضًا من يؤدون ضرائب محدودة أو لا يؤدونها أصلًا؟


المغاربة لا يطالبون بالمستحيل، بل ينتظرون تواريخ واضحة، ومبالغ محددة، ومعايير بسيطة، وقبل كل شيء، ضمانة بأن هذه الوعود لن تُصنف هي الأخرى، في نهاية المطاف، ضمن خانة «قيد الانتظار»


تمت الاستعانة بالذكاء الاصطناعي للمساعدة في الترجمة الأولية، فيما خضع النص للمراجعة والتدقيق والتصحيح والتحرير من طرف عائشة بوسكين لضمان الدقة وسلامة الأسلوب




الأربعاء 8 يوليو/جويلية 2026
في نفس الركن