كتاب الرأي

البيئة : الشباب يحمل الاقتصاد الأخضر على عاتقه


غالبًا ما يُنظر إلى التحول البيئي على أنه عبء، أو تكلفة إضافية تُفرض على اقتصادات هشة بالفعل. لكن بالنسبة لجزء كبير من الشباب المغربي، يُعاش هذا التحول بشكل مختلف: كمساحة للمشاركة، والابتكار، وأحيانًا كوسيلة للاستدامة الاقتصادي، ومن خلال جعل الاستدامة البيئية التزامًا يوميًا يقوده الشباب، يعترف الميثاق الوطني للشباب الصادر في 11 يناير بواقع ملموس على الأرض : فالشباب بالفعل في الصفوف الأمامية للاقتصاد الأخضر، لكنه لا يحصد دائمًا ثمار هذا الجهد.



لقد وضع المغرب نفسه منذ سنوات كمشارك فاعل في التحول الطاقي والمناخي. الطاقات المتجددة، إدارة المياه، الزراعة المستدامة، الاقتصاد الدائري : المشاريع متعددة وكبيرة. ومع ذلك، بين الاستراتيجيات الوطنية وواقع الشباب، ما زال هناك فجوة واضحة. فالعديد من الشباب يشارك في مشاريع بيئية دون إطار اقتصادي واضح، غالبًا بدافع نشاطي أو تحرّكي أكثر منه مهني.
 

من الناحية الاقتصادية، تبدو هذه الوضعية متناقضة. فالقطاعات الخضراء من بين أكثر القطاعات وعدًا من حيث خلق فرص الشغل للشباب. فهي تتميز بكثافة اليد العاملة، ارتباطها بالأرض، وحملها لقيمة محلية مضافة . ومع ذلك، بسبب عدم وجود هيكلة واضحة، يبقى جزء كبير من هذه الأنشطة هامشيًا، هشًا، أو يعتمد على تمويلات مؤقتة.
 

خذ على سبيل المثال الزراعة المستدامة. ينجذب إليها العديد من الشباب، بحثًا عن نماذج أكثر احترامًا للبيئة والمستهلك. لكن بدون الوصول إلى الأراضي، التمويل والأسواق، تكافح هذه المبادرات لتصل إلى حجم اقتصادي قابل للاستمرار. النتيجة : تصبح البيئة ترفًا مخصصًا لمن يستطيع تحمل حالة عدم الاستقرار.
 

وينطبق نفس المنطق على الاقتصاد الدائري. إعادة التدوير، الإصلاح، استثمار النفايات، البناء البيئي : كلها مجالات يشارك فيها الشباب. لكن غياب الأطر التنظيمية الواضحة والأسواق المنظمة يعيق الاحترافية. مرة أخرى، الإمكانيات موجودة، لكن سلسلة القيمة غير مكتملة.
 

يقترح الميثاق الوطنية للشباب نهجًا مختلفًا : جعل الالتزام البيئي مسارًا اقتصاديًا حقيقيًا. وهذا يتطلب الاعتراف بالكفاءات الخضراء، تصديقها، تمويلها، ودمجها في سياسات التنمية الترابية. فلا يمكن أن تظل البيئة محصورة في التطوع أو التجربة فقط.
 

من المنظور الماكرو اقتصادي، الاستثمار في الاقتصاد الأخضر الذي يقوده الشباب يقدم عدة مزايا. فهو يقلل الاعتماد على الطاقة الخارجية، يعزز القدرة على الصمود أمام الصدمات المناخية، ويخلق وظائف لا يمكن نقلها إلى خارج البلاد. كما أنه عامل جاذبية دولية، في سياق يزداد فيه وزن المعايير البيئية في قرارات الاستثمار.
 

كما أن هناك بعدًا اجتماعيًا قويًا. غالبًا ما تكون المشاريع البيئية جماعية، متجذرة في الأقاليم، وذات معنى. فهي تعزز إدماج الشباب في المناطق الريفية،  والذين غالبًا ما يكونون بعيدين عن الدوائر الاقتصادية التقليدية. ومن ثم، فإن هيكلة هذه المبادرات تعني أيضًا مكافحة الفوارق المجالية.
 

الشباب المغربي لا يفتقر للأفكار أو الحماس. ما يفتقده هو بيئة تحول هذا الالتزام إلى وظائف مستدامة. ويضع الميثاق الوطني للشباب الأسس لهذا التحول من خلال التأكيد على أن الاستدامة يجب أن تكون التزامًا يوميًا، وأيضًا أن تكون مجدية اقتصاديًا.
 

مع حلول عام 2040، لن يكون الانتقال البيئي خيارًا ثانويًا يمكن تجاهله، بل سيصبح ركيزة أساسية تُعيد تشكيل الاقتصاد وأسواق العمل وأنماط الحياة. السؤال المطروح بوضوح هو : هل سيظل الشباب المغربي محصورًا في دور الناشط البيئي فحسب، أم سيصبح الفاعل الاقتصادي الرئيس الذي يُصمّم معالم هذه التحولات؟

من خلال الاعتراف بالاقتصاد الأخضر كمجال حقيقي للفرص والاستثمار، يمكن للمغرب أن يحوّل هذا التحدي العالمي إلى قوة دافعة للتنمية الشاملة والمستدامة، بحيث لا يقتصر أثره على البيئة فحسب، بل يمتد ليشمل الاقتصاد والمجتمع ككل.

 
 




الثلاثاء 13 يناير 2026
في نفس الركن